شطاري-متابعة:
تطور مُلفت للانتباه ذاك الذي حدث مساء اليوم، بعد المكالمة الهاتفية التي جمعت الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد قطيعة وتوتر دبلوماسي دام عشرة أشهر بسبب الرسالة التي بعثها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الـ 25 لعيد العرش، والتي أكد من خلالها دعم فرنسا لمغربية الصحراء، قبل أن يزور المملكة شهر شتنبر الماضي، حيث جدد التأكيد في خطاب له أمام البرلمان المغربي بتاريخ 29 شتنبر الماضي، “إنه بالنسبة لفرنسا، فإن الحاضر والمستقبل في الصحراء يندرجان تحت سيادة المغرب”، مؤكدا دعم فرنسا لموقف المغرب في هذا النزاع الإقليمي.
إثر ذلك، سحبت الجزائر سفيرها في باريس سعيد موسي بشكل فوري رداً على اعتراف الحكومة الفرنسية بالمخطط المغربي للحكم الذاتي أساساً لحل نزاع الصحراء في إطار السيادة المغربية، حيث قال بيان وزارة الخارجية الجزائرية حينها: “قررت الحكومة الجزائرية سحب سفيرها لدى الجمهورية الفرنسية بأثر فوري على أن يتولى مسؤولية التمثيل الدبلوماسي الجزائري في فرنسا من الآن فصاعداً قائم بالأعمال”، وأوضح البيان أن هذا القرار جاء عقب إقدام الحكومة الفرنسية “على إعلان تأييدها القطعي والصريح للواقع الاستعماري المفروض فرضاً في إقليم الصحراء الغربية”، مضيفاً: “هذه الخطوة التي لم تقدم عليها أي حكومة فرنسية سابقة قد تمت من قبل الحكومة الحالية باستخفاف واستهتار كبيرين دون أي تقييم متبصر للعواقب التي تنجرّ عنها”.
وتابع البيان: “باعترافها بالمخطط المغربي للحكم الذاتي أساساً وحيداً لحل نزاع الصحراء الغربية في إطار السيادة المغربية المزعومة، فإنّ الحكومة الفرنسية تنتهك الشرعية الدولية وتتنكر لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وتناقض كل الجهود الحثيثة والدؤوبة التي تبذلها الأمم المتحدة بهدف استكمال مسار تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية، فضلاً عن كونها تتنصل من المسؤوليات الخاصة التي تترتب عن عضويتها الدائمة بمجلس الأمن الأممي”. انتهى بيان الخارجية الجزائرية.
اليوم، ما الذي تغير من موقف فرنسا في قضية الصحراء ليعيد النظام الجزائري “الدفء” لعلاقته مع فرنسا؟ بيان الرئاسة الجزائري يؤكد أن لا شيء تغير بالمطلق. حيث تحدث عن “استئناف الحوار المثمر” بين البلدين، وعن “متانة الروابط – ولاسيما الروابط الإنسانية – التي تجمع الجزائر وفرنسا، والمصالح الاستراتيجية والأمنية للبلدين، وكذا التحديات والأزمات التي تواجه كل من أوروبا والحوض المتوسط -إفريقي”، وهي عوامل حسب نفس البيان “تتطلب العودة إلى حوار متكافئ بين البلدين باعتبارهما شريكين وفاعلين رئيسيين في أوروبا وإفريقيا”.
وعلى هذا الأساس، يضيف بيان الرئاسة الجزائرية “اتفق الرئيسان على استئناف التعاون الأمني بين البلدين بشكل فوري. وعلى ضرورة الاستئناف الفوري للتعاون في مجال الهجرة بشكل موثوق وسلس وفعّال، بما يُتيح مُعالجة جميع جوانب حركة الأشخاص بين البلدين وفقا لنهج قائم على تحقيق نتائج تستجيب لانشغالات كلا البلدين.
ما حمله بيان الرئاسة الجزائرية حول عودة العلاقات مع فرنسا، يشير إلى “معركة أخرى” خاسرة للنظام الجزائري في تدبير علاقاته الدولية، بسبب قضية الصحراء، حيث سبق أن خاض نفس المعركة مع إسبانيا، وسحب النظام الجزائري سفيره في مدريد قبل أن يعيده دون أن تغير إسبانيا موقفها من قضية الصحراء، وقبل عشرة أشهر من اليوم، سحب نفس النظام، مرة أخرى سفيره في باريس بسبب موقفها من قضية الصحراء، قبل أن تعود العلاقات مع فرنسا بمكالمة هاتفية دون أن تغير باريس موقفها من قضية الصحراء، بعد أن أصبحت أكبر داعم للرباط في هذا الملف.
وتفاصيل عودة “الدفء” هذه بين الجزائر وفرنسا، سبق أن كشفت عنها صحيفة “لوموند”، حينما أكدت أن وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو يعتزم القيام بزيارة إلى الجزائر خلال الأسبوع الأول من شهر أبريل، وأضافت “لوموند” في تقرير اطلعت عليه “الصحيفة” أن هذه الزيارة المرتقبة تأتي وسط مؤشرات وتوقعات على أن الجزائر قد تلجأ إلى إطلاق سراح الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال، الذي يقضي حاليا حكما بالسجن لخمس سنوات بتهم تمس أمن الدولة، وذلك بموجب عفو رئاسي متوقع، وهو بالفعل ما أشار إليه بلاغ الرئاسة الجزائرية، بعد مكالمة تبون مع ماكرون.
وأكدت الصحيفة في تقريرها إلى أن إطلاق سراح صنصال سيكون “فرصة للتهدئة” من طرف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خاصة في ظل وجود مطالب واسعة من المثقفين والحقوقيين الفرنسيين بإطلاق سراحه، ومن أجل أيضا تخفيف التوتر الذي تصاعد بشكل حاد منذ يوليو 2024.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد وصف الكاتب الجزائري الذي يحمل الجنسية الفرنسية بوعلام صنصال بـ”المحتال” و”المجهول الهوية”، بل ذهب أبعد من ذلك في خطابه الذي ألقاه بتاريخ 29 دجنبر الماضي أمام البرلمان حيث قال “أرسلتم لنا واحدا لا يعرف أباه ليقول لنا إن نصف الجزائر ملك لدولة أخرى”.
ورغم كل هذه التهم الثقيلة والتهديدات من أعلى سلطة في البلاد يبدو أن النظام الجزائري يستعد لإطلاق سراح الكاتب الجزائر الذي يحمل الجنسية الفرنسية، وهو ما بدأت تروج له وسائل الإعلام الجزائرية، و”الذباب الإلكتروني” التابع للأجهزة الأمنية.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، قد حاول تلطيف الأجواء مع فرنسا، بعد أن هدد وزير داخلية باريس برونو ريتيلو بمراجعة اتفاقية 1968 الموقعة بين فرنسا والجزائر، التي تمنح الجزائريين امتيازات خاصة في السفر والإقامة والعمل، كما منع جميع الدبلوماسيين الجزائريين من دخول فرنسا بدون تأشيرة مسبقة، وهدد بعقوبات جديدة إن لم تلتزم الجزائر باستقبال المهاجرين من مواطنيها بعد طردهم من فرنسا بسبب وضعهم غير القانوني، وتواجد العديد منهم على لائحة “غير المرغوب فيهم” بسبب خلفياتهم المتطرفة.
وعليه، حاول تبون إعادة فتح قنوات الحوار مع فرنسا، في حوار تلفزيوني الأسبوع الماضي، حينما أكد إن نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، هو “المرجع الوحيد” لحل الأزمة الحالية بين الجزائر وفرنسا، متجاهلا في كلامه الإشارة إلى قضية الصحراء المغربية كأحد الملفات التي يجب مناقشتها معه، رغم أن ماكرون هو من أعلن دعم فرنسا لسيادة المغرب على الصحراء، وهو الموقف الذي بسببه سحبت الجزائر لسفيرها من باريس.
وأضاف تبون في حوار متلفز مع الصحافة الجزائرية السبت، الماضي، قائلا “لكي لا نسقط في الجلبة أو الفوضى السياسية هناك (في فرنسا)، أقول فقط ثلاث كلمات، نحن نُبقي على الرئيس ماكرون كمرجع وحيد”، مشيرا إلى أن “كل المشاكل يجب أن تُحل معه أو مع من يفوضه، أي وزراء الخارجية”.
ومع كل هذا التدهور في الخيارات الدبلوماسية للنظام الجزائري، يبقى السؤال هو كلفة القرارات التي يتخذها النظام، والخسائر الفادحة في علاقاته الدولية بسبب ملف الصحراء، حيث يتبين في كل مرة أن النظام العسكري الحاكم، يضع البلاد في مواقف محرجة ومعارك خاسرة غير قادر على مجاراة مضاعفاتها الديبلوماسية والاقتصادية، وهو ما كان مع إسبانيا، وكذا مع فرنسا.