شطاري-متابعة:
أثار غياب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن الظهور العلني في الأسابيع الأخيرة تساؤلات واسعة في الداخل والخارج، خاصة مع تزايد حوادث النقل وأزمات معيشية حساسة، لتكتفي الرئاسة ببيانات مكتوبة وصور مؤرشفة، وهذا الصمت الطويل غذّى التكهنات، قبل أن يفاجئ الجزائريين صبيحة اليوم الخميس بقرار مفاجئ صادر من قصر المرادية بإنهاء مهام الوزير الأول نذير العرباوي وتعيين وزير الصناعة سيفي غريب وزيرا أول بالنيابة، في خطوة أعادت الرئيس إلى الواجهة عبر قرار سياسي ثقيل حمل في طياته أكثر من رسالة.
وفي تطور سياسي لافت بالجزائر، أنهى الرئيس عبد المجيد تبون اليوم الخميس، مهام الوزير الأول نذير العرباوي، وعيّن وزير الصناعة سيفي غريب وزيرا أول بالنيابة إلى حين استكمال الترتيبات الدستورية، وذلك وفق بيان لرئاسة الجمهورية تداولته وسائل إعلام جزائرية رئيسية، ينهي بذلك مسارا بدأ في 11 نونبر 2023 حين كلّف تبون العرباوي بقيادة الجهاز التنفيذي خلفا لأيمن بن عبد الرحمان، في لحظة كانت تُقرأ حينها كإعادة ضبط لإيقاع السلطة قبل الاستحقاق الرئاسي لسنة 2024.
ويحمل التوقيت دلالاته، فالتعديل يأتي بعد أيام من سلسلة قرارات فوقية غير مسبوقة لمعالجة أزمة النقل العمومي أعقبت حوادث قاتلة لحافلات قديمة، إذ أمر الرئيس باستيراد فوري لعشرة آلاف حافلة جديدة وتعويض الأسطول المتهالك خلال ستة أشهر، وأحال تنفيذ جزء واسع من العملية إلى إشراف وزارة الصناعة.
وهذه الحزمة العاجلة ترافقت مع إعلان رسمي عن سحب الحافلات التي تجاوز عمرها 30 سنة من الخدمة، ومع تعهدات بسن تشريعات جديدة تخص رخص السياقة والرقابة على السلامة الطرقية، وفي هذا السياق، برز اسم سيفي غريب بوصفه الوزير القطاعي الأقرب إلى قلب الملف، ما يفسر عمليا تكليفه بتسيير الحكومة مؤقتًا بالتوازي مع بقائه على رأس الصناعة.
وسيفي غريب ليس طارئا على الدوائر السياسية والاقتصادية، فالرجل حاصل على دكتوراه في الكيمياء الفيزيائية للمواد من جامعة باجي مختار بعنابة، وأدار قبل تعيينه وزارة الصناعة مجمعات وطنية حساسة من قبيل “سيدار” و”إيمتال” إلى جانب الجامعة الصناعية التابعة للوزارة، وتولّيه حقيبة الصناعة والإنتاج الصيدلاني في 19 نونبر 2024 جاء ضمن حكومة العرباوي الثانية، قبل أن يوضع اليوم على رأس الجهاز التنفيذي بالنيابة في ظرف يقتضي تنفيذا سريعا لقرارات الرئاسة ذات الكلفة اللوجستية العالية، وعلى رأسها تجديد أسطول النقل الحضري وعقود التوريد المرتبطة به.
أما نذير العرباوي الدبلوماسي المخضرم، فقد أمضى قرابة عامين على رأس الحكومة، شهدت تعديلا واسعا في نونبر 2024 عزّز الحضور المباشر للمؤسسة العسكرية داخل الفريق الحكومي وكرّس نمط قيادة مركزية تترك للحكومة هامش تنفيذ السياسات أكثر من هندستها، ثم تلاه خلال 2025 غربلةٌ متواصلة لبعض الحقائب (إقالة وزير المالية ووزير منتدب للصناعة في فبراير)، ما رسّخ صورة جهاز تنفيذي قيد إعادة تشكيل مستمرة تحت إشراف الرئاسة واليوم، ينتهي هذا المسار بقرارٍ سريعٍ دون تقديم مبررات مفصلة من الرئاسة، على عادة البلاغات الجزائرية الرسمية في حالات الإنهاء والتعيين.
وقراءة هذا التحول تقتضي وضعه ضمن سياق أوسع، وهي إعادة انتخاب تبون لولاية ثانية في 7 شتنبر 2024 وسط جدل حول نسب المشاركة وأرقام الفرز، أعقبتها شهورٌ من إدارة ملفات اقتصادية واجتماعية ضاغطة من التضخم والبطالة إلى تردي المرفق العام في قطاعات حساسة، ثم حادثة سقوط حافلة في العاصمة منتصف غشت وما تلاها من نزيف حوادث أعادت القطاع إلى واجهة الأولويات، لتصدر الرئاسة أوامر تعاقدية وتشريعية ذات أثر مالي وتنظيمي واسع، ما يستدعي حكومة “تنفيذ” أكثر من حكومة “مداولة”، ويمنح تفسيرا سياسيا لسبب الذهاب إلى تكليف وزير الصناعة، المعني مباشرة بأكبر صفقة توريد عمومية راهنة، بتسيير الجهاز التنفيذي مؤقتا.
ومن زاوية بنية السلطة، يُظهر القرار استمرار الميل إلى مركزة القرار في الرئاسة وتقليص الهوامش السياسية للوزارة الأولى ولعل التجربة الأخيرة للعرباوي، من حيث كثافة الأنشطة الحكومية الشكلية مقابل القرارات المفصلية الخارجة غالبا من رئاسة الجمهورية، تدعم هذا الاستنتاج.
وفي المقابل، يعكس تكليف سيفي غريب بالنيابة رهانا على “بيروقراطية تنفيذية” ذات تماس مباشر مع الصناعة والتوريد، في لحظة تُقاس فيها الفاعلية بعقود تُوقّع ومعدّات تُسلّم وجداول زمنية تُحترم، أكثر من قياسها بخطابات عامة.
على مستوى السياسات العامة، ستختبر الأسابيع المقبلة قدرة الفريق المؤقت على تحويل قرارات 26 غشت إلى نتائج ملموسة، بما فيها سلاسل توريد متاحة في سوق عالمية مضطربة، آليات تمويل بالعملات الصعبة في ظل تقلبات إيرادات الطاقة، وضبط جودة ومطابقة تقنية لدفعات حافلات يفترض أن تصل بوتيرة “فورية”.
كما سيُنتظر من الحكومة المؤقتة تفعيل مسار تشريعي سريع لتحديث قواعد المرور والرقابة المهنية والصحية على السائقين، وهو مسار لقي وعودا واسعة على الورق لكنه يحتاج هندسة قانونية وتنفيذية دقيقة داخل مجلس الوزراء وخارجه. (
اقتصاديا، قد يقتضي تجديد الأسطول المروري إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام على المدى القصير، بما في ذلك أثره على ميزان المدفوعات واستيراد الإطارات وقطع الغيار، وهو ما سيضع وزارة الصناعة ووزارة النقل وبنك الجزائر في مساحة تنسيق إلزامي.
وسياسيا، قد يفتح تعيين وزيرٍ “تنفيذي” بالنيابة الباب أمام تقييم أوسع لأداء بقية الحقائب في أفق تعديل حكومي أعمق، خصوصا إذا التزمت الرئاسة بجدول زمني صارم لحزمة النقل خلال ستة أشهر كما أعلن رسميا.
ويبقى أن القرار لم يُرفَق بتفسير رسمي علني لأسباب إنهاء مهام العرباوي، ما يترك الحقل مفتوحا للتأويلات التقليدية في السياسة الجزائرية حول تبدلات موازين داخلية، محصلة أداء قطاعي متفاوتة، أو حسابات اتصال عمومي تُفضّل إبراز صورة “دولة تنفذ” في مواجهة أزمة اجتماعية ملموسة على إبقاء طاقم حكومي يوفّر استمرارية شكلية.
وهكذا، تُظهر الوقائع أن مركز الثقل ينتقل اليوم، ظرفيا على الأقل إلى وزير الصناعة سيفي غريب، بوصفه واجهة تنفيذ قرارات رئاسية ضخمة ماليا ولوجستيا، وبوصفه الرجل الذي سيُحاسَب سريعا على تسليم “سلع عامة” تمسّ حياة الجزائريين اليومية.
من جهة ثانية، فإن ما يضاعف منسوب التساؤلات هو أن القرار الحاسم بإبعاد نذير العرباوي وتكليف سيفي غريب لم يأت في سياق حضور علني للرئيس عبد المجيد تبون، بل في ظل غياب لافت للرجل الأول في الدولة عن الأنظار منذ أسابيع.
وغاب تبون عن المشهد في لحظة حساسة كانت فيها البلاد تواجه ضغطا اجتماعيا متصاعدا عقب حوادث النقل المأساوية، مكتفيا ببلاغات مكتوبة تصدرها الرئاسة دون صور أو نشاطات ميدانية، وهو ما فتح الباب أمام سيل من التكهنات بشأن وضعه الصحي والسياسي.
وبينما يروّج الخطاب الرسمي لفكرة الاستمرارية ويدفع بقرارات فوقية ذات طابع استعجالي، فإن غياب الرئيس عن الواجهة يزيد من حدة الغموض حول طبيعة موازين السلطة داخل قصر المرادية، ويدفع لطرح سؤال هل ما وقع مجرد تغيير حكومي عادي اقتضته اعتبارات تنفيذية مرتبطة بالأزمة الراهنة، أم أن الأمر أعمق ومرتبط بإعادة توزيع للأدوار داخل السلطة في لحظة انتقالية دقيقة؟
وهكذا، فإن غياب تبون عن المشهد العلني يظل عاملاً ضاغطاً على صورة النظام السياسي الجزائري، لأنه يحجب عن الرأي العام رمز الاستمرارية في وقت تتخذ فيه قرارات مصيرية، وفي انتظار أن يظهر الرئيس من جديد ليكسر حالة الغموض، تبقى كل الخطوات الحكومية رهينة بمدى قدرة الجهاز التنفيذي الجديد على تنفيذ وعوده، وسط أسئلة معلّقة حول من يمسك فعليا بمقاليد القرار في الجزائر.