إلى نصف نهائي الكان. انتصار في الرباط وفرحة في الصحراء

شطاري خاص10 يناير 2026
إلى نصف نهائي الكان. انتصار في الرباط وفرحة في الصحراء

شطاري-متابعة:
بعد صافرة النهاية مباشرة، اندلعت فرحة الجماهير في المدن الصحراوية الجنوبية للمغرب بتأهل المنتخب الوطني إلى نصف نهائي كأس أمم إفريقيا..
فرحة استثنائية، متدفقة من عمق الوجدان الجماعي، ومشحونة بدلالات تتجاوز حدود كرة القدم لتلامس معاني الانتماء والاعتزاز والاندماج الوطني.
لم يكن الأمر مجرد انتصار رياضي عابر يحتفل به، بل لحظة وجدانية جامعة، أحس فيها سكان هذه المدن بأنهم جزء حي وفاعل من قصة وطنية كبرى تكتب أمام أعينهم، وأن نبض المنتخب هو ذاته نبض الصحراء، بإيقاعه الهادئ حينا والعاصف حينا آخر.
في شوارع العيون والداخلة والسمارة وبوجدور وكليميم وإفني والطنطان وأسا وغيرها، خرج الناس بعفوية نادرة، كبارا وصغارا، رجالا ونساء، في مشاهد امتزج فيها الفرح الصافي بزخم الذاكرة الجماعية. الأعلام الوطنية رفعت ليس فقط احتفالا بالإنجاز، بل كتعبير رمزي عن ارتباط عميق بالدولة والهوية، وكأن كل راية كانت تقول إن هذا الفوز لنا جميعا، وإن هذا المنتخب يمثلنا كما نمثل نحن امتداده الجغرافي والإنساني.
السيارات جابت الشوارع على إيقاع الأبواق، والأغاني الوطنية صدحت من مكبرات الصوت، فيما كانت الزغاريد تتعالى من النوافذ، لتمنح الفضاء العام روحا احتفالية دافئة رغم برودة ليالي الصحراء.
اللافت في هذه الفرحة أنها لم تكن صاخبة فقط، بل كانت أيضا واعية وهادئة في عمقها.
كثيرون تابعوا المباريات في المقاهي أو في البيوت أو حتى في نقاط للمشجعين، حيث كانت العيون مشدودة إلى الشاشة، والقلوب معلقة بكل تمريرة وكل تدخل دفاعي.
وحين تحقق التأهل، انفجرت المشاعر دفعة واحدة، كأنها كانت محبوسة تنتظر لحظة الإفراج. في تلك اللحظة، ذابت الفوارق الاجتماعية، أو البعد الجغرافي، ليحل محله شعور قوي بالمشاركة الكاملة في الفرح الوطني، وبأن الصحراء ليست متفرجة على التاريخ، بل تعيشه وتصنع معناه الرمزي.
تحمل فرحة الجماهير في الجنوب الصحراوي المغربي بعدا خاصا لأنها تنبع من سياق جغرافي وإنساني شديد الخصوصية. فهذه المدن، الممتدة على مساحات شاسعة، اعتادت الصبر والانتظار والتعايش مع قسوة الطبيعة، ولذلك تأتي لحظات الفرح فيها كثيفة وصادقة، كالمطر النادر حين يهطل.
تأهل المنتخب إلى نصف النهائي منح الناس فرصة لتفريغ طاقة وجدانية مكبوتة، وللتعبير عن أمل جماعي في أن يرى المغرب دائما قويا، واثقا من نفسه، حاضرا في القمم القارية.
كما أن هذا الإنجاز الرياضي أعاد إلى الواجهة فكرة أن كرة القدم، في بساطتها الظاهرة، قادرة على خلق جسور رمزية بين المركز والأطراف، بين الشمال والجنوب، وبين المدن الساحلية والفضاءات الصحراوية.
الاحتفال في الصحراء لم يكن تقليدا لما يحدث في الرباط أو الدار البيضاء، بل كان له طابعه الخاص، المتسم بالوقار أحيانا وبالحماس العفوي أحيانا أخرى، والمشحون بإحساس قوي بالفخر حين يذكر اسم المغرب في سياق الانتصار والتألق القاري.
وفي العمق، عكست هذه الفرحة رغبة جماعية في الاعتراف والاندماج، وفي التأكيد على أن الانتماء للوطن ليس شعارا يرفع فقط، بل شعور يعاش في اللحظات المفصلية، خاصة حين يحقق الوطن إنجازا يلتف حوله الجميع.
تأهل المنتخب إلى نصف نهائي الكان كان لحظة التقاء نادرة بين الرياضة والسياسة الرمزية والهوية، حيث وجدت الجماهير الصحراوية في هذا الحدث فرصة لتجديد عهدها مع الوطن، وللتعبير عن حبها له بلغتها الخاصة، لغة الفرح الصادق الذي لا يحتاج إلى تبرير.
هكذا، تحولت مدن الجنوب في تلك الليالي إلى فضاءات مفتوحة للبهجة، لا تقاس فيها المسافات بالكيلومترات بل بدرجة القرب العاطفي من المنتخب ومن الراية الوطنية.
كانت فرحة عميقة، هادئة في جذورها، صاخبة في مظاهرها، ومليئة بالمعاني التي تجعل من تأهل كروي حدثا إنسانيا بامتياز، يؤكد مرة أخرى أن كرة القدم، حين تنتصر، لا توحد فقط المدرجات، بل توحد القلوب الممتدة من أقصى الشمال إلى عمق الصحراء.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل