نائب وزير الخارجية الأمريكية يكشف عن اهتمام شركات أمريكية بتحويل مدينة الداخلة إلى منصة إقليمية لاحتضان مركز بيانات

شطاري خاص3 مايو 2026
نائب وزير الخارجية الأمريكية يكشف عن اهتمام شركات أمريكية بتحويل مدينة الداخلة إلى منصة إقليمية لاحتضان مركز بيانات

تتجهُ الأنظارُ نحو مدينة الداخلة، بعدما كشف نائب وزير الخارجية الأمريكية كريستوف لوندو عن مشروع استثماري أمريكي قيد الدراسة لإحداث مركز بيانات (Data Center) بالمدينة، في خطوة تعكس تحوّلا نوعيا في طبيعة الحضور الاقتصادي لواشنطن في الأقاليم الجنوبية وانتقالا من الدعم السياسي إلى منطق الاستثمار المباشر في البنيات التحتية الرقمية.

وجاء هذا الإعلان خلال مقابلة أجراها المسؤول الأمريكي مع قناة “ميدي1” على هامش زيارته الرسمية إلى المغرب يومي 29 و30 أبريل الماضيين حيث أوضح أنه أجرى قبيل المقابلة محادثات مع شركة أمريكية مهتمة بإطلاق هذا المشروع في الداخلة في مؤشر واضح على وجود اهتمام فعلي من قبل فاعلين اقتصاديين أمريكيين بالتموقع في منطقة الأقاليم الجنوبية للمملكة.

ويُعد مشروع مركز البيانات بحسب التصريحات ذاتها، استثمارا “هيكليا” يقوم على ركيزتين أساسيتين تتمثلان في تشييد بنية تحتية رقمية متقدمة وخلق فرص شغل محلية، مع ما يرافق ذلك من آثار غير مباشرة على النسيج الاقتصادي، سواء من حيث جذب الاستثمارات المرتبطة بالخدمات الرقمية أو تطوير منظومات الابتكار والتكنولوجيا في المنطقة.

وتحوّلت مراكز البيانات في السنوات الأخيرة إلى بنية تحتية سيادية تؤطر الاقتصاد العالمي الرقمي وتعيد تشكيل توازناته، فهذه المنشآت تجاوزت كونها مجرد فضاءات لتخزين المعطيات وأصبحت القلب النابض لمنظومات معقدة تشمل الحوسبة السحابية، معالجة البيانات الضخمة، تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية والتجارية الرقمية، ما يجعلها في صلب معادلة النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي بين القوى الكبرى.

في هذا السياق، يقرأ اختيار الداخلة كموقع محتمل لهذا المشروع كمؤشر على تحوّل أعمق في خريطة توطين البنية التحتية الرقمية عالميا، حيث تتجه الشركات الكبرى إلى توسيع انتشارها خارج المراكز التقليدية في أوروبا وأمريكا الشمالية نحو مناطق جديدة قادرة على لعب دور منصات إقليمية، خاصة في إفريقيا.

وإقامة مركز بيانات في هذا الجزء من القارة من شأنه تقليص كلفة وزمن نقل البيانات وتحسين جودة الخدمات الرقمية وخلق منظومة جذب متكاملة لشركات التكنولوجيا ومقدمي الخدمات السحابية، بما يعيد تموقع المنطقة ضمن سلاسل القيمة الرقمية العالمية.

وتتضح أهمية هذا التحول أكثر عند وضعه في سياق المكانة التي تحتلها الولايات المتحدة في هذا القطاع، فواشنطن تقود سوق مراكز البيانات من حيث الحجم، كما أنها تتحكم عمليا في مفاتيح البنية التحتية الرقمية العالمية، بفضل تمركز أكبر شركات التكنولوجيا على أراضيها وانتشارها العابر للقارات.

وتشير معطيات صادرة عن مؤسسات بحثية متخصصة، من بينها Synergy Research Group إلى أن الولايات المتحدة تستحوذ على الحصة الأكبر من مراكز البيانات فائقة الحجم عالميا، وهي تلك التي تُشغّل الخدمات الرقمية الأكثر تعقيدا واستهلاكا للموارد.

وتقود هذا التفوق شركات عملاقة مثل Amazon وMicrosoft وGoogle التي تهيمن على سوق الحوسبة السحابية وتبني شبكة عالمية مترابطة من مراكز البيانات تُمكّنها من التحكم في تدفقات البيانات وتوجيهها وفق اعتبارات تقنية وتجارية وحتى جيوسياسية.

وفي هذا الإطار، فإن التوسع في بناء مراكز بيانات جديدة أصبح جزءا من استراتيجية نفوذ رقمي شامل، تسعى من خلاله هذه الشركات ومعها الدولة الأمريكية إلى ترسيخ حضورها في الأسواق الناشئة وتأمين مواقع متقدمة في الاقتصاد الرقمي العالمي.

من جهة ثانية، يأتي هذا الإعلان في سياق أوسع تتبنى فيه الولايات المتحدة مقاربة اقتصادية متدرجة في الأقاليم الجنوبية تتجاوز التصريحات السياسية إلى دعم مشاريع تنموية ملموسة.

وفي هذا الإطار، جدّد لوندو التأكيد على أن واشنطن تعترف بسيادة المغرب على الصحراء، وتعتبر مخطط الحكم الذاتي الأساس الوحيد والواقعي لتسوية النزاع، مبرزا أن هذه الرؤية لم تعد تقتصر على الموقف الدبلوماسي بل تُترجم إلى دينامية استثمارية تهدف إلى خلق “حوافز تنموية” قادرة على كسر حالة الجمود التي طبعت الملف لعقود.

وبموازاة ذلك، كشفت تصريحات المسؤول الأمريكي عن توجه أمريكي لتعزيز التعاون الاقتصادي مع المغرب في قطاعات استراتيجية في مقدمتها المعادن الحيوية، التي أصبحت محور تنافس عالمي في ظل التحولات المرتبطة بالانتقال الطاقي وسلاسل الإمداد.

ويُنظر إلى المغرب في هذا السياق، كشريك قادر على لعب دور محوري في تأمين هذه الموارد، سواء من حيث الاستكشاف أو المعالجة أو التصدير.

وزيارة لوندو إلى المغرب التي تُعد الأولى له منذ تعيينه، لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل شملت أيضا مباحثات سياسية رفيعة المستوى مع رئيس الحكومة ومع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، حيث تم التباحث حول سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن في مختلف المجالات.

كما تميزت الزيارة بسلسلة لقاءات مع فاعلين اقتصاديين مغاربة في إطار استكشاف فرص استثمار جديدة، في وقت تسعى فيه الشركات الأمريكية إلى توسيع حضورها في الأسواق الإفريقية عبر بوابة المغرب مستفيدة من موقعه الجغرافي واتفاقياته التجارية وشبكة بنياته التحتية.

وعلى الصعيد الأمني، حضرت ملفات التعاون العسكري ضمن أجندة الزيارة، خاصة في سياق مناورات  “الأسد الافريقي”، التي تُعد من أكبر التدريبات العسكرية المشتركة في القارة الإفريقية وتعكس مستوى التنسيق الاستراتيجي بين البلدين في قضايا الأمن الإقليمي ومكافحة التهديدات العابرة للحدود.

وفي سياق موازٍ، شارك المسؤول الأمريكي في تدشين القنصلية الجديدة للولايات المتحدة بالدار البيضاء، وهو مشروع دبلوماسي يُراد له أن يشكل منصة لتعزيز التعاون الثنائي خصوصا في مجالات الاستثمار والتبادل الاقتصادي والأمن حيث أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن هذه المنشأة تهدف إلى دعم “النمو الاقتصادي وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي”.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل