موسكو تستقبل “البوليساريو” في توقيت حساس.. دعم علني للجبهة أم مناورة دبلوماسية للبحث عن توازن مفقود أمام تصاعد الدعم الدولي لمقترح لحكم الذاتي المغربي؟

شطاري خاص30 أبريل 2026
موسكو تستقبل “البوليساريو” في توقيت حساس.. دعم علني للجبهة أم مناورة دبلوماسية للبحث عن توازن مفقود أمام تصاعد الدعم الدولي لمقترح لحكم الذاتي المغربي؟

استقبلت وزارة الخارجية الروسية وفدا من جبهة البوليساريو، في تحرك يأتي عشية انعقاد جلسة مرتقبة لمجلس الأمن الدولي ستخصص لمناقشة مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، المعروفة بـ”المينورسو”، وتجديد أو مراجعة تفويضها السنوي، وهو التحرك، الذي لا يبدو منفصلا عن السياق الدولي المتسارع للنزاع، ولا عن الضغوط المتزايدة التي تواجه الأطروحة الانفصالية في ظل توالي المواقف الداعمة للمقترح المغربي للحكم الذاتي، مقابل تراجع واضح في هوامش المناورة التقليدية داخل المنتظم الدولي.

الخارجية الروسية أوضحت، في بيان رسمي، أن اللقاء جمع وفد البوليساريو بمدير إدارة المنظمات الدولية، كونستانتين لوكفينوف، وتمحور حول مستجدات النزاع وآفاق التسوية السياسية، مع تأكيد موسكو على ضرورة التوصل إلى حل “عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف” على أساس قرارات مجلس الأمن ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

ورغم أن الصياغة الروسية حافظت على لغتها التقليدية المتوازنة، فإن توقيت الاستقبال يضفي على الخطوة أبعادا سياسية تتجاوز مجرد لقاء بروتوكولي، خصوصا أنه يأتي مباشرة قبيل المحطة الأممية الحاسمة المرتبطة بمصير البعثة الأممية.

وتشير القراءة السياسية لهذا التحرك إلى أن البوليساريو تحاول، مرة أخرى، استثمار القناة الروسية كأحد المنافذ القليلة المتبقية داخل مجلس الأمن، أملا في إحداث توازن مع الدينامية الدولية المتنامية لصالح المغرب، فالجبهة تدرك أن الأشهر الأخيرة لم تكن في صالحها، سواء على مستوى الاعترافات الدولية، أو على مستوى تراجع خطاب الانفصال داخل دوائر القرار الغربية، أو حتى في ظل التحولات التي يعرفها التعاطي الأممي مع الملف.

ولم يأت تحرك وفد الجبهة إلى موسكو من فراغ، إذ سبقه بأيام فقط لقاء جمع السفير الجزائري لدى روسيا، توفيق جومعة، بنائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر عليموف، في خطوة أولتها الأوساط المتتبعة أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، وتزامنها مع اقتراب مناقشات مجلس الأمن.

ووفق المعطيات الرسمية الروسية، فقد خُصص جانب من اللقاء لتطورات قضية الصحراء في ضوء النقاشات الأخيرة داخل الأمم المتحدة، ما يعكس وجود تعبئة دبلوماسية جزائرية موازية لتحرك البوليساريو، في محاولة لإعادة تنشيط الموقف الروسي أو على الأقل ضمان استمرار حياده داخل المجلس.

هذا التتابع الزمني بين لقاء السفير الجزائري وتحرك وفد البوليساريو يوحي بوجود تنسيق سياسي واضح، خصوصا أن الجزائر تظل الداعم الرئيسي للجبهة سياسيا ودبلوماسيا وماليا، كما أنها تعتبر روسيا أحد الشركاء الدوليين القادرين على موازنة النفوذ الغربي داخل مجلس الأمن، إلا أن موسكو نفسها لم تعد تتحرك اليوم بالمنطق ذاته الذي حكم سنوات سابقة، بل أصبحت أكثر حذرا في إدارة هذا الملف، بالنظر إلى شبكة مصالحها الأوسع مع الرباط، وإلى تعقيدات المشهد الجيوسياسي الراهن.

وتستحضر هذه التحركات بالضرورة ما جرى قبل عام، حين اعتمد مجلس الأمن القرار 2797 بشأن الصحراء، دون أن تلجأ روسيا إلى استخدام حق النقض، ودون أن تصوت ضده، في خطوة شكلت آنذاك صدمة حقيقية داخل المعسكر الداعم للبوليساريو، حيث أن الرهان كان معقودا على اعتراض روسي أو على الأقل موقف تصادمي يعطل تمرير القرار، غير أن موسكو اختارت الامتناع، ما سمح بمرور نص أممي كرّس المرجعيات التي يدافع عنها المغرب، وفي مقدمتها الواقعية، والعملية، والاستدامة، والدفع نحو حل سياسي قائم على التوافق.

وفي المقابل، يجد هذا التحرك نفسه أمام واقع دولي متغير بشكل متسارع، فخلال الفترة الأخيرة، تعززت المواقف الأوروبية والغربية المؤيدة للمبادرة المغربية، حيث برزت مواقف داعمة أو متقدمة من النمسا، والمملكة المتحدة، وسويسرا، قبل أن تأتي كندا، أمس، لتضيف وزنا جديدا إلى هذا المنحى المتصاعد، وهو التراكم الذي يعد كمؤشر على تحول أوسع داخل العواصم المؤثرة نحو اعتبار الحكم الذاتي الخيار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.

كما أن النقاش الدائر حول بعثة المينورسو يضيف مزيدا من الضغط على الجبهة، فداخل بعض الأوساط الدولية، يتنامى الحديث عن ضرورة مراجعة وظيفة البعثة وترشيد مهامها بعد عقود من الجمود، خاصة وأن الهدف الأصلي المرتبط بتنظيم الاستفتاء أصبح متجاوزا عمليا وسياسيا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل