ذ. محمد البوزيدي يكتب: الكورونا … دروس وتساؤلات

ذ. محمد البوزيدي يكتب: الكورونا … دروس وتساؤلات

شطاري خاص28 مايو 2020آخر تحديث : الخميس 28 مايو 2020 - 4:19 مساءً

ذ. محمد البوزيدي:

وفي كل نقمة تنبعث نعمة .

وفي كل أزمة تمر عبر التاريخ، تكون هناك نتائج تحيل لولادة أوضاع جديدة من مناحي عدة تؤثر في سيرورة الحياة جزئيا أو كليا.

ومع كل الاكراهات تنبلج مرحلة أخرى من خط الحياة الذي لا يتوقف مطلقا، بل فقط يعبر محطات ليصل إلى محطات أخرى ويواصل الطريق..

وفي زمن لفظة *الكورونا* التي هيمنت حاليا على كل الخطابات والسلوكات والتحركات، ولا نجد فما لا ينطقها أو قلما لا يخطها مرات عدة كل يوم، برزت تحولات كبيرة وتغيرات عدة في المجتمع المغربي أضحى معها استخلاص الدروس والعبر أمرا ضروريا على المستوى الوطني.

فماهي أبرز العبر المستخلصة من كورونا في مختلف المستويات؟ وما هي التساؤلات التي تنبلج لمحاولة تلمس الجواب عنها في مرحلة مابعد الكورونا.؟

1. المجال الديني: أبرزت مرحلة وباء الكورونا أن هناك عقليات مازالت شاذة عن الإجماع المغربي وعن تأطير الحقل الديني بالمملكة ،فرغم فتوى المجلس العلمي الواضحة بشأن إغلاق المساجد ،وأولوية الساجد على المساجد ،ورغم القرار السياسي المتخذ مراعاة للمصلحة العامة، ورغم كل المؤشرات التي أطرت العملية شرعيا وصحيا واجتماعيا،والسوابق التاريخية بشأن منع الصلاة بالمسجدين العظيمين بمكة والمدينة، وتوقف الحج لسنوات عدة إبان العصر العباسي. فإن مجموعة معينة ممن تلبس رداء التفقه أبت إلا أن تشذ عن الإجماع وتخلق الحدث بالدعوة للصلاة أمام المسجد، أو إقامة الجماعة في المنزل، أو الخروج للشوارع من أجل رفع شعارات دينية ليلا في خرق واضح للقانون الذي التزم به المغاربة، بل وتوظف في دعواها هذه دعاء اللطيف .

لكن الأمر اتضح جليا أن الشاذ لا موقع له في مجتمعنا الأصيل والحنيف الذي صدم أن فئة تستغل اللحظة التاريخية والمجتمعية لتموقع سلبي عبر تكريس فهم خاص وخاطئ للدين والدعوة له.

فهل تكون اللحظة حاسمة للقطع مع تيار منحرف، وتكريس مقاومة مجتمعية مستمرة ضده برزت تجلياتها في التصدي له حين حاول خرق الإجماع الوطني ؟

2. المجال التعليمي: توقفت الدراسة، وكانت الصدمة بداية، لأن المغاربة عامة والتلاميذ خاصة لم يعهدوها ولم يتوقعوها، لكن مع مرور الزمن تم تكييف وتعديل كل الظروف بإيقاع جديد ، فانطلقت في مختلف أرجاء الوطن برامج مختلفة للتعلم عن بعد، كما بادر رجال التربية والتكوين بمختلف أسلاكهم للتطوع بنكران ذات والتجند ليلا ونهارا بإمكانياتهم المادية الخاصة للتواصل مع تلاميذهم قصد محاربة الجهل والمحافظة على وتيرة التمدرس وإنقاذ تلاميذ أصبحوا أكثر شغفا بالمعرفة وفق تقنيات جديدة ،وأكثر شوقا لمدارسهم وأساتذتهم.

لقد كشفت هذه المرحلة الحساسة، كما من قبل، عن قوة وأهمية موقع رجل التعليم وسط المجتمع، وقيمة تحمله لمشعل محاربة الجهل عامة وزرع الوعي المدرسي خاصة في فترة مابعد فترة منتصف الموسم الدراسي .

فهل يعيد جزء من المجتمع حساباته التي طالما حاول تصفيتها مع رجل التعليم بتحميله مسؤوليات كبرى عن وضع أقوى منه وأضخم بكثير؟ وهل يتم إعادة النظر في الإهانات التي توجه من حين لآخر لرجل التربية والتكوين والتي تجد تجلياتها في العنف اللفظي والمادي، وترديد ونشر النكات الرديئة والصور النمطية التي تجد أحيانا تربة خصبة لترويجها وسط عوالم الجهل والتخلف الفكري الذي يقبع فيه جزء من المجتمع ؟

3. المجال التعلمي: كان يستنفذنا اليومي، وكان تطوير الذات أبعد ما يكون بحجة ضيق الوقت ، لكن الحاجة أم الاختراع كما عهدنا دوما. لقد دفعت مرحلة كورونا الجميع للانكباب على تطوير مهاراته وإضافة العديد من الملكات التي كانت تنقصه وما أحوجه إليها في حياته المهنية واليومية خاصة في الجانب المعلوماتي ،فالجميع أصبح يبحر في النت والموظفون يوظفون مجموعات الواتساب والزووم وغرف الدردشة في الشق الايجابي طبعا لحل إكراهات يومية، التلاميذ أصبحوا واعين جيدا في أهمية النت في حياتهم عامة ومسارهم التعليمي خاصة، بل اكتشفنا متأخرين أن شركة ميكروسوفت توفر لنا برامج للدردشة وإلقاء الدروس بشكل متطور، وتقنيات مجانية أخرى كنا نجهلها،وعموما أصبح المواطن يعي جيدا أن الهاتف يتجاوز مهمة التواصل التافه أحيانا، والتسلية والكلام مع الأهل أحيانا أخرى، لتكون وظيفته العميقة هي التعلم وتدبير الحياة عن بعد وقضاء الأغراض الإدارية في لمح البصر عوض ضياع وقت وجهد ثمينين .

فهل نواصل المسار بعد الجائحة ونتعلم أشياء جديدة كل يوم، أم سنعود لروتيننا اليومي في التسلية السبرنيقية ونستنفذ ما تعلمناه حتى إشعار آخر؟؟

4. المجال الاجتماعي : اعتبر العديدون فترة *كورونا* فرصة لترسيخ وتأكيد العلاقات داخل العائلة التي وجدت نفسها مجتمعة بعدما ألف بعضها أن يكون مجرد أرقام. كما أصبحت بعض المنازل فضاء للالتقاء عوض أن تكون مكان للتجمع كما كان من قبل بفعل ضغوط الحياة والعمل المتواصل والأنشطة التي تجعل الإنسان يقضي معظم وقته خارج بيته

لقد اكتشف أفراد الأسر بعضهم البعض وإن كان استلزم الأمر الانخراط العملي في “تدبير النزاعات ” انطلاقا من أن الفراغ قد يكون سببا لاختلاف وجهات نظر الكبار والصراعات البسيطة بين الصغار .

فهل نحافظ على الدفء العائلي الذي أصبح ملازما للحياة في هذه الفترة؟ أم سيصبح مجرد ذكرى وسنعود بقوة شاردين خارج البيت غير مكترثين بهذا الدرس البليغ الذي لن يعوض بأي شكل من الأشكال؟

5. المجال المعرفي :كان الوباء فرصة لتعميم المعرفة ، فمع الحظر الصحي والحجر المنزلي الذي هم العالم كله وجعل نصف البشرية في البيوت ،علقت مختلف المكتبات العمومية والجرائد اليومية أنشطتها اليومية المعتادة ،وكعلاج لوضعية مفاجئة تحركت العواطف والضمير المهني فتحركت كبريات المكتبات لتأمين وتأميم المعرفة حيث فتحت أبوابها الرقمية مجانا لمختلف الطلبة والباحثين وعموم القراء لتحميل الكتب والمطبوعات المختلفة.كما قامت الصحف المختلفة بإصدار أعدادها رقميا، وهذا كان من المستحيلات في زمن ما قبل الكورونا.

فهل سيتواصل تعميم المعرفة بمرور الكورونا ، أم تتوقف بعودة المياه إلى مجاريها ومواصلة احتكار غريب طالما ناضل من أجل كسره المثقفون دون جدوى. ؟

6. المجال الإعلامي:أمام الوقت الكثيف،كان الوباء فرصة للانهماك أمام مختلف القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي،وأصبح الانشغال اللحظي مركزا على التتبع اليومي والاستماع إلى التوجيهات والنصائح، ومعرفة عداد الأرقام وحسابات الإصابات والوفيات. كما أصبح الجميع متلهفا للاستماع إلى نشرات الأخبار وتتبعها.وفي نفس الوقت ركزت القنوات الوطنية على محاولة إنتاج برامج تواكب اللحظة وتمكنها من جذب الرأي العام المحلي والوطني .

لقد أبرز زمن الكورونا أن التلفزيون هو فضاء جميل ورحب للدراسة لذلك انهكمت أربع قنوات تلفزية (الأمازيغية والعيون والرياضية والرابعة) للانخراط في مسيرة التعلم عن بعد منذ الصباح إلى المساء وفق برمجة تراعي جميع الفئات العمرية وهذا لم يكن معهودا من قبل.

كما عرف معدل إنتاج الدروس ارتفاعا قويا وتعزز بفتح العديد من القنوات اليوتوب والتعلم الذاتي .

فهل تتواصل هذه الطفرة التربوية الإعلامية من التثقيف والتعلم الذاتي وتتواصل الفكرة ؟أم ستتوقف بمرور الكورونا وتصبح ذكرى للذاكرين ؟

7. العالمية :الكثيرون كانوا يتابعون ما يقع في العالم من تطورات من خلال رصد مختلف الأرقام العالمية والفيديوهات والصور والتصريحات. وهذا ما أكد جليا مقولة: العالم قرية صغيرة،إذ يتمكن الجميع من معرفة مايقع في اللحظة نفسها، بل أصبح الكل يعتبر نفسه مثقفا ومعنيا بكل ما يقع ،و يتقاسم المعلومات و الأفكار والفيديوهات والمعطيات بل حتى النكات .

كم كان جليا تأثرنا البالغ بما يحدث للآخرين خارج بلداننا،والإحسان أننا معنيين بكل مايقع ولو كان خارج نطاقنا المكاني، فهل تلتقط الدول الكبرى اللحظة لتعيد حساباتها تجاه الآخرين الذين تطلق عليهم فتات العالم الثالث؟

8. الابتسامة : عهد المغاربة ألا تفارقهم الابتسامة مهما حلكت الظروف، ففي أشد الأزمات ينبرون لإنتاج وتوزيع العديد من النكاث والفيديوهات التي تجعل الابتسامة حاضرة في عز زمن الحزن. لذلك ما أن انطلقت الأزمة والوباء ولتحطيم الحجر المنزلي حتى تلهف المغاربة لتصريف العديد من مظاهر الأزمة عبر الحكي ،بل والبحث في فيديوهات أجنبية وتكييفها وفق المعطى المحلي للتأكيد أننا لسنا الوحيدين بل العالم كله مصاب .

إن الأمر يدل عميقا على أن الابتسامة تهزم الداء وتنكل بالأيام الصعبة، ومن أجل خلق إيقاع لتنفس عميق يكون بمثابة تنفيس للإنسان الملتزم ببيته. كان طبيعيا أن تتراكم علينا كل يوم مجموعة من الرسائل والفيديوهات التي يتولى الجميع إعادة تقاسمها لاقتسام متعة الضحك .

فهل سيواصل المغاربة رحلتهم وتميزهم البهي في ابتكار مايهزم الأيام ؟

9. رجال ونساء البلد :أبرزت اللحظة أن القطاعات التي تحملت المشاق بالدرجة الأولى ، ووجدت نفسها في الخطوط الأمامية هم الجنود الذين يرتدون وزرات بيضاء من قطاعات الصحة التعليم ،إضافة للسلطات الترابية ورجال الأمن الذين يسهرون ليل نهار ورجال الإعلام …كل هؤلاء الذين يتقاسمون كل المسؤوليات والتدابير ،يتدخلون بشكل مباشر لتطويق الأزمة والتعامل معها من مختلف النواحي.

لقد تأكد الجميع من عمق التفاهة التي تخترقنا وتظهر لنا نجوما في المشهد والذين لم يكونوا سوى حواجز لإخفاء حقيقة رجال ونساء البلد .

فعلا لقد ظهر المشهد جليا بممثليه الحقيقيين عرف الرئيسي منهم وبرز الثانوي خجولا وتأكد البعض أنه يستحق الإهمال، فاللحظة كانت محطة للتحري حول قدرة وموقع فئات مهنية من الإعراب، ففي المحن تظهر العزائم وفي الأزمات تتأكد الحقائق التي كان البعض يشككك فيها .

لقد عرف المجتمع من هم ركائزه الذين لن يستطيع الاستغناء عنهم . فكيف يمكن أن يكرمهم المجتمع بعد عبور الجائحة ؟وهل سيتم الاعتذار لهم ممن أهانوهم ذات زمن؟ وهل ستعيد الجائحة تموقع المهن داخل المجتمع. ؟

إنها جملة دروس وعبر وما أكثرها ،تبدو جلية ناصعة البياض في منعطف تاريخي يتميز بالوقت الكافي للتأمل والتدبر في التغيرات المجتمعية التي تخترق زماننا ،فهل نلتقط مختلف الإشارات ونستفيد من مختلف العبر ،أم سنكتشف بعد فوات الأوان أننا كنا رهائن لحظات غضب وتأثر عابرين وأننا جبلنا على عدم استخلاص الدروس وتدارك وضعنا قبل الأوان؟

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

شطاري خاص