المرزوقي يتهم الجزائر بخرق اتفاقيات اللجوء بعد تسليم معارض تونسي في تنسيق بين قيس سعيّد وتبون

شطاري خاص20 يناير 2026
المرزوقي يتهم الجزائر بخرق اتفاقيات اللجوء بعد تسليم معارض تونسي في تنسيق بين قيس سعيّد وتبون

شطاري-متابعة:

فجّر إقدام السلطات الجزائرية على تسليم المحامي والنائب البرلماني التونسي السابق سيف الدين مخلوف إلى تونس موجة استنكار سياسي وحقوقي واسعة، بعدما وُضع القرار في خانة التخلي الصريح عن تقاليد اللجوء السياسي ومبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يفترض أن تلتزم به الدول.

فالخطوة التي اعتُبرت لدى معارضين تونسيين وفاعلين حقوقيين تسليما قسريا لمعـارض سياسي فارّ من ملاحقات قضائية مثيرة للجدل أعادت طرح أسئلة محرجة حول دور الجزائر في تكريس تعاون أمني عابر للحدود ضد الخصوم السياسيين، وحدود التزامها بالمواثيق الدولية التي تحظر تسليم المستجير إلى السلطات التي يفرّ منها.

وتحول تسليم الجزائر، للمحامي والنائب البرلماني التونسي السابق سيف الدين مخلوف إلى تونس للحظة كاشفة لتحولات أعمق في التعاطي الإقليمي مع المعارضين السياسيين، وحدود ما تبقى من مفهوم اللجوء السياسي في الفضاء المغاربي سيما وأن الخطوة الجزائرية، التي جاءت بعد أكثر من عام من احتجاز مخلوف فوق أراضيها، فجّرت نقاشا سياسيا وحقوقيا حادا تجاوز شخص المعني بالأمر ليطال طبيعة التعاون الأمني بين الأنظمة، ومدى احترامها لالتزاماتها الدولية.

منصف المرزوقي الرئيس التونسي الأسبق وأحد أبرز معارضي المسار السياسي الحالي في تونس، كان الأكثر حدّة في توصيف ما جرى ففي تدوينة لاذعة، اعتبر أن تسليم مخلوف يشكل “وصمة عار في جبين السلطات الجزائرية” متهما إياها بالتخلي عن تقاليد راسخة في المنطقة تقوم على حماية المستجير وعدم تسليمه إلى من يفرّ منهم، حتى في أحلك فترات الاستبداد.

ولم يكتفِ المرزوقي بالاستحضار الأخلاقي، بل ذهب أبعد حين وصف الخطوة بأنها “انتهاك صارخ لكل المعايير الدولية المتعلقة باللاجئين السياسيين” مؤكدا أن مخلوف كان قد لجأ إلى الجزائر هربا مما اعتبره “أحكاما قضائية انتقامية” طالت بحسبه، أغلب معارضي السلطة التونسية في عهد قيس سعيد بعد 25 يوليوز 2021.

الأخطر في خطاب المرزوقي لم يكن توصيف الفعل في حد ذاته، بل القراءة السياسية التي قدمها له إذ اعتبر أن تسليم مخلوف لا يمكن فصله عن “مقايضة قذرة بين دكتاتوريتين تتقاسمان نفس الأساليب ونفس الأهداف” في إشارة مباشرة إلى تقارب سلطوي يرى أنه بات يحكم علاقة تونس والجزائر في التعامل مع الأصوات المعارضة وهي لغة غير مسبوقة في حدتها تجاه الجزائر، التي طالما حرصت على تقديم نفسها كدولة داعمة لحركات التحرر ورافضة لتسليم المعارضين السياسيين.

في المقابل، تقدّم السلطات التونسية رواية مغايرة، إذ تؤكد أن مخلوف مطلوب لتنفيذ أحكام قضائية نافذة من بينها حكم غيابي بالسجن خمس سنوات على خلفية تهم تتعلق بما تصفه بـ”التآمر على أمن الدولة الداخلي” وهذا التوصيف الرسمي يضع القضية في خانة “العدالة الجنائية” وينفي عنها أي طابع سياسي غير أن هذا الفصل بين الجنائي والسياسي بات محل تشكيك واسع داخل تونس وخارجها في ظل مناخ قضائي يتهمه معارضون ومنظمات حقوقية بالتوظيف السياسي خصوصا في قضايا تمس معارضين وفاعلين من النظام السابق.

السلطات الجزائرية، من جهتها لم تقدم إلى حدود الآن رواية مفصلة تشرح الإطار القانوني الدقيق لما جرى هل كان الأمر ترحيلا إداريا بعد استكمال إجراءات داخلية؟ أم تسليما قضائيا استجابة لطلب تونسي؟ أم إجراء أمنيا استثنائيا؟ فيما هذا الصمت الرسمي هو ما فتح الباب أمام التأويل، وحوّل العملية إلى مادة سياسية ثقيلة، بدل أن تبقى إجراء قانونيا واضح المعالم.

ويزداد الجدل تعقيدا مع تداول معطيات تفيد بأن مخلوف كان بصدد سلوك مسطرة لجوء سياسي، وأن ملفه كان مطروحا لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين غير أن غياب أي تأكيد رسمي منشور من المفوضية حول وضعه القانوني يجعل هذه المعطيات إلى حدود الساعة في خانة الادعاءات غير المثبتة رغم اعتمادها بقوة في الخطاب السياسي المعارض، وفي مقدّمته خطاب المرزوقي.

قانونيا، تضع القضية الجزائر في موقع حرج، فالجزائر طرف في اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، وملزمة بمبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يمنع تسليم أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد أو لمحاكمة غير عادلة غير أن تطبيق هذا المبدأ يظل رهينا بتوصيف الشخص المعني هل هو لاجئ سياسي أم مطلوب للعدالة الجنائية؟ وهو السؤال الذي لم تحسمه الجزائر علنا، مكتفية بإنجاز الفعل دون شرح خلفياته.

سياسيا، تعكس القضية مناخا إقليميا يتراجع فيه هامش حماية المعارضين، ويُعاد فيه تعريف التعاون القضائي والأمني باعتباره أولوية تفوق الاعتبارات الحقوقية وهو ما لخصه المرزوقي بلغة تعبئة صدامية حين اعتبر أن ما جرى “تنبيه جديد بأننا أمام أنظمة لا تصلح ولا تُصلح” داعيا إلى تكثيف النضال والتعاضد في مواجهة ما وصفه بعودة الاستبداد.

وفي هذا الإطار، يرى عادل بالزركة الحقوقي التونسي أن ما أقدمت عليه السلطات الجزائرية بتسليم سيف الدين مخلوف إلى تونس يمثل في جوهره انخراطا صريحا في منطق التنسيق السلطوي بين نظامين يواجهان مأزق الشرعية السياسية وتراجع الحريات موردا: “نحن أمام سابقة خطيرة تُنذر بتحويل فضاء المغرب العربي إلى مجال مغلق في وجه المعارضين، حيث لم يعد المنفى ملاذا بل امتدادا للملاحقة”.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل