خاوة خاوة” شعار أفرغه الجزائريون من نبله واستغلوا به طيبة المغاربة لنفث سمومهم

شطاري خاص14 يناير 2026
خاوة خاوة” شعار أفرغه الجزائريون من نبله واستغلوا به طيبة المغاربة لنفث سمومهم

شطاري-متابعة:

تحول شعار «خاوة خاوة» من عبارة عاطفية تفترض فيها البراءة وحسن النية إلى أداة خطابية مثقلة بالالتباس، حيث لم يعد يدل على الأخوة بقدر ما صار قناعا لغويا يستعمل عند الحاجة ويخلع عند أول اختلاف.
في هذا التحول تكمن مأساة الشعارات حين تنتزع من سياقها الأخلاقي، فتفقد معناها الجامع وتتحول إلى وسيلة ضغط رمزي، تطالب الآخر بالثقة
المطلقة دون أن تقدم ضمانات متبادلة.

و يظهر الشعار في المشهد العام بوصفه اختزالا مريحا لتعقيدات السياسة والتاريخ، وكأنه عصا سحرية تغني عن المساءلة والنقاش الصريح.. يستدعى في لحظات التهدئة الإعلامية، ويهمل حين تتصاعد لغة الاتهام والتشكيك.
هذا الاستخدام الانتقائي لا يعبر عن أخوة، بل عن براغماتية خطابية تراكم الشك بدل أن تبدده.

فالأخوة ليست لفظا يلقى في الفضاء العام، بل علاقة أخلاقية تقوم على الاعتراف المتبادل، وعلى استعداد حقيقي لتحمل تبعات هذا الاعتراف. فحين يستعمل الشعار لتسكين الآخر أو لتجريده من حق الحذر، فإنه يفقد جوهره، لأن الأخوة التي لا تحتمل النقد ولا تعترف بالاختلاف تتحول إلى وصاية ناعمة.

لقد راهن كثير من المغاربة على المعنى الإنساني للشعار، مستندين إلى رصيد تاريخي من التعاطف الشعبي وروابط الجوار والثقافة، غير أن الطيبة، حين لا تحاط بوعي نقدي، تصبح قابلة للاستغلال، لا لأنها ضعف، بل لأنها تفترض حسن النيّة في فضاء تحكمه حسابات القوة والذاكرة الجريحة.. هنا ينكسر التوازن بين العاطفة والعقل.

الإشكال لا يكمن في الشعوب بقدر ما يكمن في الخطابات التي تتلاعب بمشاعرها، فحين تضخ رسائل ملغومة تحت غطاء الأخوة، يطلب من المتلقي أن يصدق النبرة وينسى المضمون.. هذا الانفصام بين القول والفعل هو ما يفرغ الكلمات من أخلاقها، ويحولها إلى أدوات رمزية لتطبيع التناقض.

في العمق، تكشف هذه الظاهرة أزمة ثقة أكثر مما تكشف خصومة. أزمة في القدرة على بناء معنى مشترك لا يقوم على الشعارات بل على الوقائع، ولا على العواطف السريعة بل على التزامات واضحة. فالفلسفة السياسية تعلمنا أن اللغة حين تنفصل عن المسؤولية، تصبح جزء من المشكلة لا من الحل.

و الصحافة في هذا السياق، مدعوة إلى تفكيك الخطاب لا إلى ترديده، وإلى مساءلة الشعارات بدل الانبهار بها. فدورها ليس تزويق الواقع بل كشف طبقاته، والتنبيه إلى اللحظة التي تتحول فيها الكلمات الجميلة إلى غطاء يُخفي توترا مؤجلا.

وفي النهاية، لا تستعاد الأخوة بالشعارات الواهية ولا تصان بالإنكار، بل تبنى ببطء عبر الصدق والاعتراف والاحترام المتبادل، وكل شعار لا يحتمل هذا الثقل الأخلاقي يبقى مصيره التحول إلى صدى فارغ، يردد كثيرا ويصدَّق قليلا ويترك خلفه خيبة أعمق من الصمت.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل