الحكم الذاتي في الصحراء: قراءة في النسخة المحينة للمقترح المغربي وتحولات المقاربة السياسية

شطاري خاص21 يناير 2026
الحكم الذاتي في الصحراء: قراءة في النسخة المحينة للمقترح المغربي وتحولات المقاربة السياسية

شطاري-متابعة:

في سياق إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة، كشفت معطيات نشرها موقع Africa Intelligence الفرنسي المتخصص في الشؤون الاستراتيجية عن شروع المغرب في إعداد نسخة محينة ومفصلة من مقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، في خطوة وصفت بأنها الأكثر تقدما منذ تقديم المبادرة لأول مرة سنة 2007.
وتأتي هذه الخطوة قبيل المراجعة الاستراتيجية لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) المرتقبة خلال شهر أبريل المقبل، وفي وقت يعمل فيه المغرب على ترسيخ موقعه كفاعل مبادر لا كمجرد طرف في نزاع إقليمي طويل الأمد.

وثيقة أكثر تفصيلا.. ورهان على الوضوح
بحسب التقرير، ستتألف النسخة الجديدة من المقترح من نحو عشر صفحات، مقارنة بالنص السابق الذي ظل يقتصر على 35 نقطة موجزة لما يقارب عقدين.
ويهدف هذا التوسيع إلى تقديم شروحات أعمق بشأن آليات الحكم الذاتي، وتوزيع الصلاحيات، وضمانات المشاركة السياسية، بما يجعل المبادرة أكثر قابلية للتنزيل المؤسساتي وأكثر إقناعا لدى الشركاء الدوليين.
وينتظر الانتهاء من صياغة الوثيقة في موعد أقصاه 19 مارس 2026، أي مباشرة بعد شهر رمضان، على أن تعرض معالمها قبل اجتماع مجلس الأمن الدولي المخصص لبحث تطورات النزاع، بحضور المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا.
هيئة تمثيلية للبوليساريو.. تحول نوعي في المقاربة المغربية
أبرز ما تحمله المسودة الجديدة، هو التنصيص على إحداث هيئة مخصصة للتمثيل السياسي لجبهة البوليساريو في إطار منظومة الحكم الذاتي. وهي خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، وتعكس انتقال المغرب من منطق إدارة النزاع إلى منطق إعادة هندسته.
فمن خلال هذا المقترح، يسعى المغرب إلى تفكيك أطروحة “التمثيل الحصري” التي طالما تبنتها الجبهة، عبر إدماجها كفاعل سياسي ضمن مؤسسات محلية خاضعة للسيادة المغربية، لا ككيان مستقل أو ممثل وحيد للسكان الصحراويين.
وبذلك، تتحول البوليساريو من حركة انفصالية ذات مرجعية خارجية إلى طرف سياسي محتمل داخل فضاء تعددي، يخضع لقواعد العمل الديمقراطي والمؤسساتي، وهو ما ينسجم مع تجارب دولية عديدة عالجت نزاعات انفصالية عبر الإدماج السياسي بدل الإقصاء.
سيادة معززة لا منقوصة
على عكس ما قد يروج له خصوم المبادرة، لا يشكل هذا التوجه مساسا بالسيادة المغربية، بل يعكس فهما حديثا لها.
فالمقترح يكرس بوضوح احتفاظ الدولة المركزية بالاختصاصات السيادية الكبرى، وعلى رأسها الدفاع والعلاقات الخارجية والعملة، مقابل منح الإقليم صلاحيات واسعة في التدبير المحلي.
وفي هذا الإطار، تبدو مشاركة البوليساريو المحتملة مشاركة تحت سقف السيادة، لا تقاسما لها، وهو ما يمنح المغرب أفضلية أخلاقية وسياسية أمام المجتمع الدولي، باعتباره طرفا منفتحا على الحلول التوافقية دون التفريط في ثوابته الوطنية.
رسائل متعددة الاتجاهات
تحمل النسخة المحينة من مقترح الحكم الذاتي رسائل واضحة إلى أكثر من جهة.
فإلى الأمم المتحدة، يقدم المغرب عرضا سياسيا مفصلا، قابلا للتطبيق، يضع حدا لخطاب “غياب البدائل الواقعية”.
وإلى الدول التي ما تزال تتبنى مواقف متحفظة، يبرز المقترح كدليل على جدية الرباط واستعدادها لإشراك جميع الأطراف في حل ديمقراطي.
أما الجزائر، فيقترن هذا التطور بإعادة التأكيد على “حرمة الحدود” وسياسة “اليد الممدودة”، في رسالة مزدوجة تجمع بين التهدئة والحزم.
إشراف ملكي وتكتم دبلوماسي نحو مرحلة جديدة
ويتم إعداد المشروع تحت إشراف عدد من مستشاري الملك، من بينهم فؤاد عالي الهمة والطيب الفاسي الفهري وعمر عزيمان، فيما تقود وزارة الخارجية تحركات دبلوماسية وصفت بـ”شديدة التكتم”، بتنسيق مع وزارة الداخلية، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الجهوية والإدارية.
وفي المجمل، تعكس النسخة المحينة من مقترح الحكم الذاتي تحولا نوعيا في طريقة تعاطي المغرب مع ملف الصحراء، يقوم على الاحتواء السياسي، وتوسيع المشاركة، وتحميل الأطراف الأخرى مسؤولية مواقفها.
فإما الانخراط في حل واقعي تحت السيادة المغربية، أو الظهور مجددا كطرف يعرقل مسار التسوية.
وبين هذين الخيارين، يبدو أن الرباط تراهن على أن الزمن السياسي والدبلوماسي بات يعمل لصالحها أكثر من أي وقت مضى.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل