كشفت مصادر حكومية لمجلة “الصحيفة” أن الولايات المتحدة الأمريكية دخلت فعليا مرحلة “إعادة هندسة” المسار السياسي لملف الصحراء عبر تحركات مكثفة وغير معلنة تقودها واشنطن بين الرباط والجزائر وأطراف دولية أخرى، بهدف الدفع نحو تسوية نهائية تحت مظلة الأمم المتحدة، في سياق تؤكد فيه دوائر القرار الأمريكية أن مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب باتت تُنظر إليها دوليا باعتبارها “الأرضية الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق”، بعد سنوات طويلة من الجمود السياسي داخل مجلس الأمن.
وأكدت المصادر ذاتها، أن الولايات المتحدة الأمريكية تقود خلال الأيام المقبلة مشاورات جديدة سياسية ودبلوماسية مكثفة ستحتضنها واشنطن، بهدف إعادة تنشيط المسار الأممي المرتبط بالنزاع في سياق دولي يتسم بتزايد القناعة داخل عدد من العواصم الغربية بكون مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 تمثل “الأساس الأكثر جدية وواقعية” لأي تسوية سياسية مستقبلية تحت إشراف الأمم المتحدة.
وأوضحت المصادر ذاتها، في تصريحات لـ”الصحيفة”، أن التحركات الأمريكية الجارية تندرج ضمن دينامية أوسع تقودها واشنطن منذ أشهر لإعادة الدفع بالعملية السياسية استنادا إلى قرارات مجلس الأمن الأخيرة، وعلى رأسها القرار 2797 الصادر نهاية أكتوبر 2025، والذي جدد التأكيد على ضرورة التوصل إلى “حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق”.
وبحسب المصادر، فإن النقاشات الجارية داخل مجلس الأمن لم تعد مرتبطة فقط بآليات تدبير وقف إطلاق النار أو تجديد ولاية البعثة الأممية، بل أصبحت تشمل أيضا تقييما أشمل لمستقبل المسار السياسي برمته في ظل التحولات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى موازين القوى الدبلوماسية أو على مستوى المواقف الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي.
وأكدت المصادر أن الولايات المتحدة، التي كانت قد اعترفت رسميا بسيادة المغرب على الصحراء في دجنبر 2020، ما تزال تعتبر مبادرة الحكم الذاتي “إطارا جادا وواقعيا وذا مصداقية”، وهو التوصيف نفسه الذي بات يتكرر بشكل متزايد داخل مواقف عدد من القوى الدولية الكبرى، من بينها فرنسا وإسبانيا وعدد من الدول الأوروبية والإفريقية والعربية.
وأضافت المصادر ذاتها أن التحرك الأمريكي الحالي يأتي أيضا في سياق إدراك متزايد داخل دوائر القرار الغربية بأن استمرار حالة الجمود السياسي في المنطقة لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة بمنطقة الساحل والصحراء، وتنامي شبكات التهريب والهجرة غير النظامية والجماعات المسلحة العابرة للحدود.
وفي هذا الإطار، أشارت المصادر إلى أن واشنطن أجرت خلال الأشهر الماضية سلسلة اتصالات مع مختلف الأطراف المعنية بالملف، بما في ذلك المغرب والجزائر، إلى جانب مشاورات احتضنتها كل من مدريد وواشنطن بعيدا عن الأضواء، وذلك في محاولة لتهيئة الظروف السياسية لاستئناف العملية التفاوضية تحت رعاية الأمم المتحدة.
وترى الأوساط الدبلوماسية المغربية أن التطورات الأخيرة تعكس تحولا تدريجيا داخل المقاربة الدولية للنزاع، يقوم على الانتقال من منطق “تدبير الأزمة” إلى منطق “البحث عن تسوية سياسية قابلة للتطبيق”، خاصة بعدما ظل خيار الاستفتاء يواجه صعوبات قانونية وسياسية وديمغرافية معقدة منذ عقود.
كما أكدت المصادر ذاتها أن المغرب يواصل التأكيد، في مختلف اتصالاته الدولية، على أن أي حل سياسي للنزاع ينبغي أن يتم في إطار سيادة المملكة ووحدتها الترابية وعلى أساس مبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها سقفا للحل السياسي المطروح من طرف الرباط.
وفي موازاة ذلك، يتواصل داخل الأمم المتحدة النقاش المرتبط بمستقبل بعثة “المينورسو” التي أُحدثت سنة 1991، حيث تشير معطيات أممية إلى أن ميزانية البعثة تجاوزت خلال السنة الماضية نحو 58 مليون أورو، وسط تزايد التساؤلات داخل بعض الدوائر الدولية حول فعالية البعثة بعد أكثر من ثلاثة عقود من وجودها دون التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع.
وبحسب المعطيات ذاتها، فإن المراجعة الجارية داخل مجلس الأمن تشمل عددا من السيناريوهات المرتبطة بطبيعة أدوار البعثة الأممية خلال المرحلة المقبلة، بما في ذلك إعادة تقييم حجمها وانتشارها الميداني واختصاصاتها، تزامنا مع المساعي الرامية إلى إعطاء دفعة جديدة للمسار السياسي قبل موعد تجديد ولايتها نهاية أكتوبر المقبل.



