لقد قيل قديما إن الحقيقة مثل الموت، لا يمكن إخفاؤها طويلاً، وحبل الأمل ليس طويلاً. عبارة تختزل حالة الاستياء والأسئلة التي تتردد في المجالس الخاصة والعامة بمدن الأقاليم الجنوبية، على خلفية غياب أبناء الصحراء عن التشكيلة الحكومية الجديدة، في مشهد يعيد إلى الواجهة شعوراً متنامياً لدى قطاعات كبيرة من الساكنة بأن حضورها القوي في الاستحقاقات الانتخابية لا يقابله حضور مماثل في مراكز صناعة القرار الوطني.
فلم يعد الأمر مجرد غياب اسم صحراوي عن لائحة الوزراء، بل أصبح سؤالاً عن الإنصاف السياسي وتكافؤ الفرص ومكانة النخب الصحراوية داخل المؤسسات الوطنية.
ومن هنا تتناسل الأسئلة ويمسك بعضها بتلابيب بعضا دون أجوبة شافية تبدد ما يخالج نفوس كثير من أبناء الأقاليم الجنوبية، فهل تخلو هذه الربوع من الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية الحكومية؟ أم أن الاعتبارات الحزبية والتحالفات السياسية الضيقة تتقدم على معيار الاستحقاق وما أفرزته صناديق الاقتراع؟ أم أن ثمة اختلالاً في تقدير مكانة النخب الصحراوية داخل مراكز القرار، يجعل حضورها الانتخابي أكبر من حضورها الحكومي؟!!
إن خطورة هذه الأسئلة تكمن في الشعور الذي قد يتولد لدى المواطن الصحراوي حين يرى أن مشاركته السياسية لا تفتح أمامه الآفاق نفسها المتاحة لغيره، وتزداد حدة هذا النقاش عند استحضار نسب المشاركة في الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، التي بلغت نحو 77 في المائة بجهة العيون-الساقية الحمراء، و61 في المائة بجهة الداخلة-وادي الذهب، و53,48 في المائة بجهة كلميم-واد نون، مقابل معدل وطني بلغ 38,02 في المائة، وتعزز هذه الأرقام مشروعية التساؤل عن مدى انعكاس المشاركة الانتخابية على التمثيل الحكومي، وعن قدرة الأحزاب على ترجمة ثقة ناخبيها إلى حضور فعلي في مؤسسات الدولة.
فماذا يعني أن يتزاحم الناخبون الصحراويون بكثافة عند مراكز التصويت وأمام صناديق الاقتراع، ثم يجدوا أنفسهم أمام تشكيلة حكومية لا تعكس، في نظرهم، هذا الحضور السياسي؟
هنا يتجاوز النقاش مسألة التمثيل العددي إلى الشعور بالمظلومية السياسية، أي الإحساس بوجود فجوة بين حجم المشاركة التي تقدمها المنطقة والفرص المتاحة أمام نخبها للوصول إلى مراكز المسؤولية.
ويعزز استمرار هذا الوضع الانطباع بأن بعض المركزيات الحزبية تتعامل مع الأقاليم الجنوبية باعتبارها خزّاناً انتخابياً يضمن لها المقاعد ويقوي مواقعها البرلمانية، دون أن يقابله حضور متناسب للنخب المحلية في مراكز صنع القرار الحكومي، ورغم أن هذا الانطباع لا يكفي وحده لإثبات وجود إقصاء متعمد، فإنه يظل مؤشراً سياسياً واجتماعياً يستدعي الإصغاء، ويضع الأحزاب أمام مسؤولية توضيح المعايير التي تعتمدها في اختيار ممثليها داخل الحكومة.
ولا تقف هذه الإشكالية عند حدود الأحزاب، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة التي تتشكل في وعي المواطن الصحراوي بينه وبين مؤسسات الدولة، فالأقاليم الجنوبية تحتل مكانة استراتيجية في المشروع الوطني، ومن حق أبنائها أن يشعروا بأنهم شركاء في صياغة السياسات العمومية وتنفيذها، لا مجرد مفعول بهم في عملية سياسية تقتل العمل الحزبي والحزبي، وتظهر المفارقة أكثر حين يتابع المواطن الصحراوي زيارات الوزراء إلى مدن المنطقة لتدشين المشاريع والإعلان عن خدمة ساكنة الصحراء بلغة تحمل الكثير من المن، دون أن نحظى كصحراويين بترف ذات المشهد يتكرار بمدن شمال المملكة وبسواعد أبناء الصحراء ونخبها .
إن واقع الحال يفرض التساؤل عن أسباب إخفاق المغرب في إبراز كفاءاته الصحراوية وتقديمها إلى مواقع المسؤولية السياسية والدبلوماسية، في وقت استطاعت فيه الجزائر صناعة وزراء وسفراء صحراويين، بل ورئيس دولة ولو شكلياً أو صورياً، فكيف يعجز المغرب عن كسب هذا الرهان، رغم اختلاف السياقات والظروف الذاتية والموضوعية ونضوج التجربة الديمقراطية؟ إن المسألة لا تتعلق بمجرد مقارنة رمزية، بل بمدى قدرة المغرب على استثمار كفاءاته المحلية وإبرازها في مواقع المسؤولية، خصوصاً في مرحلة تتزايد فيها أهمية التمثيل السياسي والدبلوماسي المرتبط بملف الصحراء.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل الرهانات المرتبطة بمسار الحكم الذاتي، إذ لا يمكن إعداد نخب قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة المقبلة إذا ظلت بعيدة عن التجربة الحكومية الوطنية ومراكز صنع القرار، فإشراك الكفاءات الصحراوية ليس مطلباً فئوياً أو امتيازاً جغرافياً، بل فرصة للاستفادة من الخبرات المحلية وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وتعزيز الثقة في المؤسسات.
إن نجاح أي تصور سياسي مستقبلي يرتبط بمدى مشاركة النخب المحلية الصحراوية في إعداده وتدبيره، وبمدى شعور السكان بأنهم شركاء فعليون في صياغة مستقبله.
وفي خضم هذه المشهد الإقصائي المؤلم تبقى نقطة الضوء الوحيدة والفريدة هي ترأس محمد ولد الرشيد لمجلس المستشارين، والتي شكلت محطة ذات دلالة رمزية ومؤسساتية عززت الأمل في توسيع حضور أبناء الأقاليم الجنوبية داخل المؤسسات الوطنية، غير أن غياب وزير من أبناء المنطقة عن التشكيلة الحكومية بدد الحلم الجميل، حيث كان من المنتظر أن يتعزز حضور النخب الصحراوية لقلب الجهاز التنفيذي غير أن رياح حكومة المنصوري جرت عكس التيار وأجهضت الأمل في المهد.
إن هذا الإقصاء يتحمله مسؤوليته بالدرجة الأولى الأمناء العامين للأحزاب السياسية، الذين يضطلعون بدور أساسي في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومات وتوزيع الحقائب: فهل دافعوا عن تمثيل الأقاليم الجنوبية بالجدية نفسها التي دافعوا بها عن مواقع المقربين منهم؟ أم أن التوازنات الحزبية والتحالفات السياسية جعلت الاعتبارات الترابية تتراجع أمام حسابات أخرى؟
إن القضية لا تختزل في المطالبة بوزير صحراوي لمجرد انتمائه إلى المنطقة، ولا في اعتبار كل غياب دليلاً قاطعاً على وجود قرار متعمد بالإقصاء، وإنما تتعلق بضرورة ضمان تكافؤ الفرص وإتاحة المجال أمام الكفاءات الصحراوية للمنافسة على المسؤوليات الوطنية، فحين تتكرر مؤشرات التهميش دون تفسير مقنع، يصبح من الطبيعي أن يتسع الشعور بالمظلومية، وأن تتراجع الثقة في قدرة الأحزاب على تمثيل تطلعات ناخبيها، وهذا الشعور يستحق أن يؤخذ بجدية، لأن تجاهله قد يوسع المسافة بين انتظارات السكان وممارسات المؤسسات.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً: هل سيظل أبناء الأقاليم الجنوبية حاضرين بقوة عند صناديق الاقتراع، بينما يظل حضورهم محدوداً عند توزيع المسؤوليات الحكومية؟ أم أن المرحلة المقبلة ستشهد مراجعة حقيقية لمنطق التمثيل السياسي، بما يفتح المجال أمام كفاءاتهم للمساهمة في قيادة الأوراش الوطنية؟ فالأمل، مهما طال انتظاره، يحتاج إلى ما يسنده من قرارات ومواقف عملية. وبين الشعور بالمظلومية وانتظار الإنصاف، تظل الحاجة ملحة إلى تعزيز الثقة وتكريس تكافؤ الفرص، وإثبات أن أبناء الأقاليم الجنوبية شركاء كاملون في صناعة الحاضر والمستقبل، لا مجرد أصوات انتخابية ينتهي دورها بانتهاء الاقتراع.



