أكد رئيس مجلس المستشارين، سيدي محمد ولد الرشيد، أن التطورات الأخيرة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية تفتح مرحلة جديدة في مسار التسوية السياسية، وتؤسس لأفق واعد من أجل إنهاء هذا النزاع، ووضع حد لمعاناة المحتجزين بمخيمات تندوف، مشدداً على أن العودة إلى الوطن لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تراجعاً أو هزيمة، وإنما باعتبارها فرصة لاستعادة الروابط الوطنية والمساهمة في المسار التنموي الذي تشهده الأقاليم الجنوبية للمملكة.
وأوضح ولد الرشيد، في كلمة ألقاها خلال الجلسة المشتركة لمجلسي البرلمان المخصصة لمناقشة آخر مستجدات القضية الوطنية، أن المغرب يقف أمام مرحلة دقيقة ومفصلية من تاريخ ملف الصحراء المغربية، وهي مرحلة تتجاوز في أبعادها الحسابات الدبلوماسية والسياسية الظرفية، لتلامس قضية وطنية مرتبطة بذاكرة شعب وتضحيات أجيال وإرادة أمة ظلت متمسكة بوحدتها الترابية وثوابتها الوطنية.
واعتبر رئيس مجلس المستشارين أن المستجدات المتلاحقة التي يشهدها هذا الملف تعكس تحولا في طبيعة التعاطي الدولي مع النزاع، وتفتح المجال أمام الانتقال من منطق تدبير الأزمة وإطالة أمدها إلى البحث عن حل سياسي واقعي ونهائي، يستجيب لمتطلبات الاستقرار ويضع حداً لمعاناة إنسانية امتدت لعقود.
وفي هذا السياق، عبر ولد الرشيد عن اعتزاز المؤسسة التشريعية بمضامين البلاغ الصادر عن الديوان الملكي، معتبراً أنه يعكس وضوح الرؤية وبعد النظر في تدبير القضية الوطنية، ويؤشر على مرحلة جديدة في مسار الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، في ظل التحولات التي تعرفها المواقف الدولية والإقليمية.
وأبرز المتحدث أن القيادة الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس شكلت على الدوام الركيزة الأساسية للدبلوماسية المغربية، من خلال رؤية استراتيجية متبصرة مكنت المملكة من تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية متراكمة، وتعزيز حضور مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الإطار الذي يقترحه المغرب للتوصل إلى تسوية سياسية للنزاع.
كما توقف عند التحولات التي عرفتها مواقف عدد من الشركاء الدوليين خلال السنة الجارية، مشيراً إلى الموقف الجماعي للاتحاد الأوروبي، إلى جانب انضمام دول جديدة من مختلف مناطق العالم إلى قائمة الدول الداعمة للموقف المغربي، وهو ما اعتبره مؤشراً على تنامي الاقتناع الدولي بجدية ومصداقية المقترح المغربي.
وتطرق رئيس مجلس المستشارين كذلك إلى التطورات التي شهدها مجلس الأمن الدولي، مساء الجمعة، مسجلاً تأييد أحد عشر عضواً لمشروع القرار المتعلق بإعادة النظر في مهام البعثة الأممية، وجعل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل نهائي.
وأكد أن الدلالة السياسية لهذا التصويت تظل مهمة، رغم عدم اعتماد المشروع بالنظر إلى طبيعة التصويت داخل مجلس الأمن، معتبراً أن مواقف أعضاء المجلس تعكس حضور مقاربة جديدة تقوم على الواقعية والبحث عن مخرج سياسي للنزاع، بدل الاستمرار في حالة الجمود التي طبعت مساره لعقود.
وفي معرض حديثه عن الموقف المغربي، شدد ولد الرشيد على أن قوة هذا الموقف لا تستند فقط إلى المكتسبات الدبلوماسية، بل تقوم كذلك على مرتكزات تاريخية وديمقراطية ومؤسساتية، تتجسد في الروابط التاريخية التي جمعت القبائل الصحراوية بالملوك والسلاطين العلويين، وفي المشاركة الفعلية لأبناء الأقاليم الجنوبية في مختلف المؤسسات الدستورية والهيئات المنتخبة.
وأضاف أن هذه الشرعية التاريخية تعززت عبر الممارسة الديمقراطية والتمثيل الانتخابي، بما جعل ساكنة الأقاليم الجنوبية حاضرة في تدبير الشأن العام والمساهمة في صياغة القرارات المرتبطة بمستقبل مناطقها.
وفي هذا الإطار، استحضر الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر، معتبراً أن نسب المشاركة المسجلة بالأقاليم الجنوبية، والتي وصفها بالأعلى وطنياً، تعكس مستوى الانخراط السياسي للمواطنين وتجسد ارتباطهم بمؤسسات بلدهم وإرادتهم في المشاركة في بناء مستقبل الأقاليم الجنوبية داخل إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.
وعلى المستوى السياسي والاستراتيجي، أكد ولد الرشيد أن المغرب يواصل مساره بثقة وثبات، مستنداً إلى الإجماع الوطني والتلاحم بين العرش والشعب، مع التشبث بخيار السلم واحترام وقف إطلاق النار، دون التفريط في واجب الدفاع عن السيادة الوطنية وصيانة الوحدة الترابية وأمن المواطنين.
كما دعا إلى مواصلة التعبئة الوطنية وتعزيز الجبهة الداخلية، معتبراً أن المرحلة الراهنة تفرض مسؤوليات مضاعفة على مختلف المؤسسات والقوى السياسية والمدنية، بالنظر إلى أهمية مواكبة التحولات التي تعرفها القضية الوطنية والاستعداد لمختلف الاستحقاقات المرتبطة بها.
وفي هذا الصدد، حدد رئيس مجلس المستشارين ثلاثة مستويات أساسية يتعين على المؤسسة البرلمانية تكثيف جهودها بشأنها؛ يتعلق أولها بتعزيز الدبلوماسية البرلمانية الثنائية والمتعددة الأطراف، من خلال توسيع قنوات التواصل مع البرلمانات والمؤسسات التشريعية الدولية، والتعريف بالموقف المغربي والدفاع عنه في مختلف المحافل.
أما المستوى الثاني، فيرتبط بتعزيز الجاهزية التشريعية للبرلمان، بما يضمن مواكبة التطورات المرتبطة بالقضية الوطنية، والاستعداد لمختلف التحولات القانونية والمؤسساتية التي قد تفرضها المرحلة المقبلة.
ويهم المستوى الثالث مواصلة التعبئة الوطنية وتقوية الجبهة الداخلية، باعتبارها ركيزة أساسية في مواجهة التحديات المرتبطة بالوحدة الترابية، مؤكداً أن الدفاع عن القضية الوطنية يظل مسؤولية جماعية تتجاوز الاختلافات السياسية والحزبية، وتستدعي انخراط جميع المؤسسات والفعاليات الوطنية.
ولم يخل حديث ولد الرشيد من استحضار البعد الإنساني للقضية، حيث توقف عند الأوضاع التي يعيشها المحتجزون بمخيمات تندوف، معتبراً أن التطورات الراهنة ينبغي أن تشكل فرصة حقيقية لإنهاء معاناة إنسانية طال أمدها، وفتح صفحة جديدة تتيح للعائلات الصحراوية استعادة روابطها والعودة إلى وطنها والمساهمة في بناء مستقبلها.
وبصفته أحد أبناء الأقاليم الجنوبية، شدد رئيس مجلس المستشارين على أن الرهان لا يقتصر على التحولات المرتبطة بمستقبل البعثة الأممية، وإنما يتعلق أساساً بإنهاء وضع إنساني استثنائي استمر لعقود، محذراً من استمرار نشأة أجيال جديدة في ظروف اللجوء والانتظار، بعدما قضى جيل كامل حياته داخل مخيمات قُدمت في بدايتها باعتبارها وضعاً مؤقتاً.
وفي رسالة حملت أبعاداً سياسية وإنسانية، أكد ولد الرشيد أن العودة إلى الوطن ليست هزيمة لأحد، ولا تستوجب التخلي عن الكرامة أو الاعتزاز بالهوية، بل هي عودة إلى بيت ظلت أبوابه مفتوحة، وفرصة للمشاركة في الأوراش التنموية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها الصحراء المغربية.
واعتبر أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تؤسس لمنطق المصالحة ولمّ الشمل، وأن تفتح آفاقاً جديدة أمام جميع أبناء المنطقة للمساهمة في التنمية والاستقرار، بعيداً عن حسابات الماضي ومنطق إدامة النزاع.
وفي ختام كلمته، استحضر رئيس مجلس المستشارين التضحيات التي قدمها شهداء الوحدة الترابية، منوهاً بالدور الذي تضطلع به القوات المسلحة الملكية في الدفاع عن حوزة الوطن وصيانة حدوده، كما أشاد بالجهود المتواصلة لمختلف الأجهزة العسكرية والأمنية، من الدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية والسلطات المحلية، في سبيل حماية أمن المواطنين والحفاظ على الاستقرار.
وختم بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تستدعي استحضار حجم التضحيات التي بذلتها الأجيال المتعاقبة، ومواصلة التعبئة الوطنية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بما يعزز المكتسبات المحققة ويفتح الطريق أمام أفق سياسي وإنساني وتنموي جديد لقضية الصحراء المغربية.



