الباحث “عبد المولى بابي” يكتب: “كواليس الإنتخابات”

الباحث “عبد المولى بابي” يكتب: “كواليس الإنتخابات”

شطاري "خاص"9 أكتوبر 2016آخر تحديث : الأحد 9 أكتوبر 2016 - 7:16 مساءً

ذ. عبد المولى بابي:

1340387521

أتقدم من هذا المنبر بادئ ذي بدء للسادة النواب ممثلينا بقبة البرلمان بتهاني الخاصة آملا أن يكونوا عند مستوى تطلعاتنا والثقة التي وضعناها فيهم، ومتمنيا لمنافسيهم الذين لم يحالفهم الحظ الخير والسداد وأن يكونوا عونا لهم لا عليهم وتحييد الخلافات والاختلافات جانبا لخدمة الصالح العام، وبالمناسبة ارتأيت أن أساهم من جانبي في الرفع من مستوى النقاش الدائر بخصوص الاستحقاقات هذه الأيام في البيوت، المقاهي، الشوارع وكذا وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي انطلاقا من بعض المعطيات وبعض المؤشرات، فإننا نتفق جميعا على أن الانتخابات هي آلية لإفراز منتخبين عنا لتدبير شأن محلي أو لتشريع قوانين، فأي إنسان له نسبة من الوعي والمعرفة يدرك تمام الإدراك بأن الانخراط في هذه العملية السياسية يعبر في حد ذاته عن رقي مستوى فكري وخيار سليم وإن كانت هناك تحفظات كيفما كانت، وذلك بحجة أخف الضررين بدل المقاطعة أو الحياد السلبي أو مواجهة وخيمة العواقب، لكن هل العملية بكل هذه البساطة أم هناك ما وراء الكواليس وبالتالي فالمسار كله تحايل بل وتجاوز وباطل من أصله وتشريع لفساد لا يخرج عن دلالة الحكمة القائلة حق أريد به باطل أو ما خلق القانون إلا لتجاوزه؟ فالمتابع والملاحظ لهذه العملية برمتها يدرك أنها تحوم حولها مجموعة من الشوائب، ستظل تنقص دائما من مصداقيتها وبالتالي وللأسف مدى شرعية السادة ممثلينا على العموم، أبدأ من شخصي وشخصكم الكريم عزيزي القارئ باعتبارنا هيئة ناخبة بجرة قلم على رمز من رموز أحد مرشحينا قد نرجح كفة أحدهم ونفوض له الأمر للتحكم في مسار أمة، فهل أنا وأنتَ وأنت بكسر التاء آنستي مؤهلين حتى يخول لنا ذلك إذا ما استحضرنا أننا قد نكون فاسدين أخلاقيا من معاقرة المسكرات وجنوح وراء الغرائز واستلام وتسلم لرشى وغيرها من رذائل الأخلاق التي تفقدنا الأهلية، زد عليه إذا كان رادعي ووازعي الديني ضعيف ومستوايا المعرفي أضعف لا يخول لي الدراية بخبايا الكثير من الأمور، ناهيك أني في الغالب الأعم سأكون فقيرا ومحروما فسيُتحكم في قناعتي بطريقة أو أخرى تحت دافع الحاجة والعوز، فهكذا حالي وحالك وحال جلنا فكيف يمكنك ويمكنني أن نكون ناخبين وبالأحرى منتخبين ونحن نعيش تحت رحمة هذه المعضلات حتى تقول لي كفل لك الدستور الحق في الترشح والتصويت، هذا إذا افترضنا جدلا أننا أفرادا لنا كامل الأهلية الدينة، الأخلاقية، المعرفية والاجتماعية، طيب أما كوننا قبائل وعشائر وتلك تعد إلى عدنان ورفيعة النسب وخيمة كبيرة والأخرى وضيعة النسب وسلالة لؤم وشح وخيمة صغيرة، وهذا أصيل وذاك دخيل وهذا تابع وذاك مملوك وتجزئ المجزأ من عصبيات ضيقة فنحن فخذة وأعراش بل في نهاية المطاف فردانين وأنانين، وهدفنا من العملية بالأساس الذكرى والسًمَعْ والمسمى و”البرْزَة” وشماعة محاربة البراني فحدث ولا حرج، والمواطنة والشأن المحلي والعام آخر تفكيرنا فعن أي هيئة ناخبة وعن أي منتخبين أو مرشحين نتحدث؟ فالمرشحون عموما هم نتاج هذا المجتمع وهذا الواقع فقط قد يكونون من أعلى الهرم الاجتماعي كما كان في المراحل الأولى من تعاطي المجتمع الصحراوي لهذه الآلية استطاعوا الحفاظ على أنفسهم كرقم صعب في هذه المعادلة المعقدة والتكيف معها في كل مرحلة أو ممن استطاعوا تجميع ثروة بوسيلة من الوسائل وفي الغالب الأعم قد تكون غير مشروعة وفرضوا أنفسهم بدورهم في هذا المضمار، الأمر الذي يحيلنا للحديث قدر الممكن عن الآليات والوسائل التي يعتمدها السادة المرشحين لاستمالة أصواتنا كناخبين ففي مسألة كهذه فالقضية حياة أو موت وليس تنافسا شريف، تبيح للسيد المرشح استعمال الحلال والحرام والخبيث والطيب من أجل خربشتنا الغالية على رمزه المهاب والموقر وعلى قدر ذلك يعلو أو ينزل مقامنا عنده، فلا تستغرب يا صديقي أنه إذا كنت أنا المرشح وأنت الناخب ولم أبادلك يوما التحية وتراني في الحملة الانتخابية أضمك بالأحضان وإذا كنت تراني شخصا عبوسا ومتكبرا وفجأة أصبحت بشوشا وشعبويا البسمة لا تفارق محياي، وإذا كنت لا تراني طوال انتدابي أنا وأسرتي المصونة بالقرب منك وبيتي العامر موصد الأبواب فسأضحى أقرب إليك من حبل الوريد ومنزلي مشرع الأبواب طيلة النهار والليل وكأن به محطة استراحة مسافرين، وسأطرق أنا بكامل جاهي وهيبتي باكرا بابك وفي المساء بنو جلدتي وفي الثلث الأخير من الليل السيدة حرمي محملة بالهدايا وحاجتك مما لذ وطاب ووعود وعهود وحنان وشفقة تحلف لك بأغلظ الأيمان أنها منك وإليك وتتألم لآلمك فهذه فرصتك أيها المسكين فلا تضيعها فإنها لا تأتي إلا مرة واحدة كل خمس سنين، ولن تغيب طرفة عين عن أنظار أفراد عائلتي وأجرائي من مؤطرين ومتملقين فعيناي بعد الله عز وجل ترعاك في كل حركاتك وسكونك، ولا تتعجب يا رفيقي إذا رأيتني أهلل لحزب ووالدي متعاطفا مع آخر ووالدتي تزغرد لهيئة أخرى وزوجتي ترقص وتصفق لأخرى وابني الصغير يحمل منشورات حزب آخر، بل ستراني في الصباح مع الموالاة وفي المساء مع المعارضة، وستراني في لحظة واحدة أضع قبعة حزب من أقصى اليمين وأرتدي صدرية حزب من أقصى اليسار وفي قلبي ميول لحزب آخر فهناك: قرابة، اقتناع، مزاج، مصلحة، انفصام، غدر، وشاية ووساخة وهلم جرا، نعم لقد نجحنا في بلقنة المشهد السياسي حتى أضحينا أمام أحد مشاهد يوم القيامة إسوة لقوله تعالى: (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) صدق الله العظيم، وأقبل منك كل هذا إلا أن تقول لي ارتفاع نسبة الوعي الديمقراطي فإذا كنا نمارس السياسة بهكذا طريقة مفضوحة فقد هزلت، ولا تنزعج أيضا إذا كنت تعرفني متخلقا ومتعلما ثم رأيتني مجرما نذلا أقود سيارات الدفع الرباعي وأخرق قانون السير وأحمل العصي والسيوف وما توفر من سلاح أبيض بل إن لم يكن ناريا، محميا من طرف الشبيحة والبلطجية وممولا من طرف بارونات وأباطرة المخدرات الذين أوفر لهم غطاء أمنيا، لأطعنك في الظهر والقفى وأتنكر للقرابة والجوار والطعام المشترك والخير المتبادل، وإذا أسر إليك صديقك بأني أنا ومنافسي السياسي الذي أجرده من الحلال والحرام والمندوب والمكروه في كل تجمع خطابي نلتقي من ورائكما خلسة للتآمر عليكما فصدقه، وأنت يا مغفل كلك حماس وتفاعل منقطع النظير تتشاجر معه ومناصريه بسببي فنحن أعداء الأمس أصدقاء اليوم نعم، فلا تقل لي قُبحت من رجل بهكذا دسائس فالمرحلة تتطلب رجالا من طينتي وطرازي الرفيع وليس بأخلاقك وآصالتك أنت يا هذا، وتعلم مني أن ليس في السياسة عدو دائم أو صديق دائم بل هناك مصلحة دائمة، ولا تنبهر يا عزيزي إذا رأيت شراء الذمم في يوم جمعة الاقتراع في أرجاء المدينة على مرأى ومسمع الأمن والسلطات المحلية وحذاري أن تبلغ عن ذلك فليس لك من مجيب بل ستتابع بتهمة تبليغ كاذب، لا تتعجب أيضا يا صاحبي أنك إذا اتصلت بي يوما بعد الاقتراع على الهاتف بكل أدب واستحياء لتهنئني أو لتأخذ أجرتك عن حنجرتك التي بحت من أجلي وقدماك اللذان طويت بهما زقاق الأحياء توزع برنامجي الانتخابي الطموح أن أترك مكالمتك ترن في صمت أو ستجيبك بدلا عني علبة الاتصالات بقولها: “الرقم الذي تطلبونه مشغولا حاليا المرجو إعادة النداء لاحقا”، وإذا التقيتك صدفة سأغض عنك البصر وإذا حاولت مناقشتي أو تنبس لي ببنت شفة سألفق لك تهمة وأرحلك من حضيرتي عفوا مدينتي، فالقضية عموما حسب توصيف العديد من الملاحظين لا تعدو سوى مشهد أو عرض مسرحي هزيل وسيء الإخراج أبطاله السادة المرشحون، ونحن فيه دورنا محصور ومحدد بنصوص تحت مسمى قوانين صيغت على مقاص فئة بعينها، وبالتالي فلسنا سوى عبارة عن دمى وكراكيز نحرك من وراء الستار دون أن نشعر ونحس بذلك تحت تأثير مجموعة من العوامل والظروف المشار إليها أعلاه، لما لا والمشرف على هذا العرس الديمقراطي هو في الآن ذاته حكم وخصم فأنا السلطة ولي كامل الصلاحية والتنفيذ ولا تقل لي القضاء أو هيئة مستقلة، فهناك مصالح عليا ودوري هو أن تمر العملية فقط وبسلاسة وفي قدر ما أمكن من الشفافية وإن لم نستطع إليه سبيلا فلا حرج، المهم أن نسعى للرفع من نسبة التصويت حتى نضاهي بها أعرق الديمقراطيات في أوربا أو الاستحقاقات الأمريكية التي على الأبواب، ونظل نمثل الاستثناء في الربيع العربي باختيارنا مسار الثورة الهادئة والإصلاح الناعم من داخل مؤسسات الدولة العريقة والعميقة، وأن نحفظ الأمن والتوازن الاجتماعي والسياسي ومنه فلن أبخل من توجيه بل وتواطئ إن اقتضى الحال لهذا الورش السياسي الذي ارتضيناه جميعا بدل العنف، لتيسير الأمر لرجال ونساء خدام للدولة قادرين على تحمل هذا العبء عنا جميعا من تدبير للشأن المحلي وتشريع للقوانين وتنفيذ لبرامج حكومية، فطوبى لنا بهذا الإنجاز الذي جنبنا الحروب والفتن ما ظهر منها وما بطن ووضعنا القطار على سكته بعد أن كاد أن يزل وإن على الدرب سائرون السادة ممثلونا والمرشحون الراسبون وعفوا لأشخاصكم الكرام إن كنت قاسيا في تناولي لهذا النسق السياسي الفاسد ككل، ورأفة بنا في انتظار إرساء دعائم الثقافة الحزبية لعلنا نرتقي بالممارسة الديمقراطية ومنه تخليق المشهد السياسي حتى تنضج وتكتمل الشرعية بالنسبة لنا جميعا ناخبون ومنتخبون وتتاح لك الفرصة عزيزي القارئ ذو الحمولة الأخلاقية والثقافية وإن غدا لناظره قريب.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

شطاري "خاص"