دعم بروكسيل لمبادرة الحكم الذاتي لحل نزاع الصحراء يعزز موقف فرنسا في أزمتها مع الجزائر

شطاري خاص31 يناير 2026
دعم بروكسيل لمبادرة الحكم الذاتي لحل نزاع الصحراء يعزز موقف فرنسا في أزمتها مع الجزائر

شطاري-متابعة:

شكّل الموقف الذي أعلن عنه الاتحاد الأوروبي، أول أمس الخميس في بروكسيل، دعما صريحا لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لحل نزاع الصحراء، محطة ذات أهمية كبيرة لا تنعكس أهميتها فقط على مسار هذا الملف داخل أوروبا، بل تمتد تداعياتها إلى توازنات إقليمية معقّدة، في مقدمتها الأزمة الحادة التي تعيشها العلاقات الفرنسية-الجزائرية منذ منتصف سنة 2024.

واعتمدت الدول الأعضاء الـ27 خلال أشغال الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، موقفا أوروبيا موحدا يعتبر أن “حكما ذاتيا حقيقيا قد يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق” من أجل التسوية النهائية للنزاع الإقليمي حول الصحراء، في تطور نوعي أنهى سنوات من الغموض الأوروبي الجماعي بشأن هذا الملف.

وتم توثيق هذا الموقف في بيان مشترك وقّعه وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، حيث دعا الاتحاد الأوروبي جميع الأطراف إلى الانخراط في محادثات “دون شروط مسبقة وعلى أساس مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب”.

ووفق العديد من المهتمين بقضايا المنطقة، فإن هذا التحول الأوروبي الجماعي يكتسي أهمية خاصة بالنسبة لفرنسا، التي تعيش منذ يوليوز 2024 أزمة غير مسبوقة مع الجزائر، على خلفية إعلان باريس اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء ودعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الوحيد لحل سياسي دائم تحت إشراف الأمم المتحدة.

وقد قوبل الموقف الفرنسي آنذاك برد فعل غاضب من الجزائر، التي سارعت إلى تصعيد لهجتها تجاه باريس، قبل أن تنتقل إلى خطوات عملية تمثلت في تقليص التعاون الثنائي في عدد من الملفات الحساسة، وعلى رأسها ملف الهجرة، إلى جانب ملفات أمنية واقتصادية أخرى.

ومنذ ذلك التاريخ، دخلت العلاقات بين البلدين في دوامة من التوترات المتكررة، تخللتها أزمات دبلوماسية متصاعدة، كان آخرها استدعاء الجزائر القائم بأعمال السفارة الفرنسية للاحتجاج على وثائقي بثته القناة الفرنسية الثانية، كشف عن اتهامات بتورط دبلوماسيين جزائريين في أنشطة استخباراتية على التراب الفرنسي ومحاولة اختطاف معارض جزائري.

وزاد هذا التحقيق التلفزي من تعقيد المشهد، وعمّق أزمة الثقة بين باريس والجزائر، في وقت يُجمع فيه عدد من المتابعين للعلاقات الثنائية على أن جذور هذه التوترات تعود بالأساس إلى الموقف الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء، والذي تعتبره الجزائر مساسا مباشرا بأحد ثوابتها الدبلوماسية.

غير أن اعتماد الاتحاد الأوروبي، ككتلة موحدة، لموقف داعم لمبادرة الحكم الذاتي، يرى كثيرون أنه يُغير معادلة الضغط بشكل واضح، إذ – نظريا- لم تعد فرنسا معزولة في موقفها، بل أصبحت جزءا من توجه أوروبي جماعي يتبناه جميع أعضاء الاتحاد.

وتجد الجزائر نفسها من هذا المنظور، أمام واقع جديد، يصعب فيه استهداف الموقف الفرنسي وحده دون الاصطدام بموقف أوروبي شامل، ما يحدّ من هامش المناورة الدبلوماسية الجزائرية، ويجعل أي اعتراض مباشر بمثابة اعتراض على توجه جماعي أوروبي لا على دولة بعينها.

ويأتي هذا الموقف الأوروبي في سياق دينامية دولية متصاعدة لصالح مغربية الصحراء، تقودها الرباط منذ سنوات تحت قيادة الملك محمد السادس، وتُرجمت بتوسيع دائرة الدول الداعمة للمبادرة المغربية داخل أوروبا وخارجها.

وبالنسبة لفرنسا، فإن هذا الاصطفاف الأوروبي يمنحها هامشا أوسع لإدارة علاقتها المعقّدة مع الجزائر، ويخفف من كلفة مواقفها الداعمة للمغرب، في وقت بات فيه هذا الدعم جزءا من سياسة أوروبية مشتركة لا مجرد خيار وطني منفرد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل