خرجت الولايات المتحدة الأمريكية، لأول مرة، عن دور “المراقب” بخصوص الهجمات التي تتبنى “البوليساريو” تنفيذها والتي تستهدف مواقع مدنية في الصحراء، لتدين بشكل صريح الهجمات التي تعرضت لها مدينة السمارة يوم الثلاثاء الماضي، بل مضت أبعد من ذلك حين اتهمت الجبهة بـ”تهديد السلم الإقليمي والتقدم المحرز نحو السلام”.
منشور الإدارة الأمريكية الصادر منتصف الليل بالتوقيت المغربي، والمكون من 6 فقرات، كان مليئا بالرسائل الواضحة، المباشرة وغير المباشرة، والكلمات المفتاحية التي تُمَكِّنُ من فهم التوجه الذي اختارته واشنطن للتعامل مع ملف الصحراء، بداية بالجهة التي أصدرته، وهي البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، والحديث هنا عن الطرف الذي يتولى صياغة قرارات مجلس الأمن الخاصة بالصحراء.
وارتباطا بذلك، اختار “حامل القلم” هذه المرة لغة إدانة واضحة، موردا في منشوره “ندين الهجمات التي نفذتها جبهة البوليساريو في السمارة”، وتابع “مثل هذه الأعمال العنيفة تهدد الاستقرار الإقليمي والتقدم المحرز نحو السلام”، وهي صيغة تحيل على المسار التفاوضي الذي ترعاه واشنطن، لتنزيل قرار مجلس الأمن الصادر في 31 أكتوبر 2025.
ومع ذلك فقط تفادت الإدارة الأمريكية تصنيف الهجمة في خانة “الإرهاب”، على اعتبار أن القاعدة لدى واشنطن ثابتة ومعروفة، ومفادها أن “لا تفاوض مع الإرهابيين”، وهي حاليا ترعى المحادثات الرباعية بين المغرب والجزائر وموريتانيا، وأيضا جبهة “البوليساريو”، لكنها أيضا ألمحت إلى إمكانية المضي في مسار آخر في حال ما اختارت هذه الأخير توجها مغايرا.
وعلى هذا الأساس، نجد أن المنشور يعتبر أن هجمات “البوليساريو” على السمارة “تتعارض مع روح المحادثات الأخيرة”، مع رسالة تحذير تتجاوز الجبهة إلى الجزائر التي تتولى احتضانها، حيث أوردت واشنطن “ندعو جميع الأطراف التي تعرقل السلام إلى الالتزام الصادق بمستقبل أكثر إشراقا”، مشددة على أنه “لم يعد من الممكن استمرار الوضع القائم”.
هذه الصيغة يمكن ربطها بمسار آخر يتبلور تدريجيا داخل الكونغرس الأمريكي، ويتعلق الأمر بمشروع قانون تصنيف جبهة “البوليساريو” منظمة إرهابية، والذي لا زال مستمرا في استقطاب التوقيعات خصوصا من طرف سيناتورات الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ، الأمر الذي يمكن أن تمثل الهجمات التي تنفذها الجبهة على مواقع مدنية، دفعة قوية له.
وخيار المضي نحو وضع “البوليساريو” في القائمة الأمريكية للإرهاب، سبق أن وضعها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، والمنسق الرئيس للمسار التفاوضي، على طاولة أحمد عطاف، وزير الخارجية الجزائري، وفق معطيات سبق أن نشرتها “الصحيفة” استنادا إلى معطيات مصادر دبلوماسية.
ويعني ذلك أن الجزائر ستتحمل التكلفة الكبيرة لتصنيفها دولة “راعية للإرهاب”، في حال ما وصل مشروع القانون الموضوع لدى “الكونغرس” إلى نهايته، وهو الخيار الآخر المقابل للخيار الأول الذي تدفع الولايات المتحدة باتجاهه، وهو القبول بمقترح الحكم الذاتي المغربي لإنهاء هذه القضية التي عمرت لأكثر من خمسة عقود، والمضي نحو تطبيع دبلوماسي واقتصادي شامل مع الرباط.
ووجدت واشنطن في هجمات “البوليساريو” الجديدة مناسبة أخرى للتأكيد على خيار إدارة ترامب إنهاء النزاع عاجلا وتحت السيادة المغربية، موردة أنه “حان الوقت لإنهاء هذا النزاع المستمر منذ 50 عاما”، قبل أن تضيف “كما أكد على ذلك قرار مجلس الأمن رقم 2797، فإن مقترح الحكم الذاتي المغربي يرسم الطريق نحو السلام في الصحراء الغربية”.
هذا “التذكير” لا يرتبط فقط بهجمات “البوليساريو” على السمارة، بل أيضا بالمسار التفاوضي، في ظل الحديث المتزايد عن برمجة جولة جديدة من المحادثات في واشنطن، بحضور المعنيين الأربعة بقرار مجلس الأمن، وهي الجولة التي تأتي بعد المناقشات المغلقة لقضية الصحراء داخل مجلس الأمن شهر أبريل المنصرم، والتي قدم خلالها كل من المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، ورئيس بعثة “المينورسو” ألكسندر إيفانكو، إحاطتهما الأولى بعد انطلاق المسار التفاوضي.
ويبدو اختيار الإدارة الأمريكية، عدم السكوت على هجمات “البوليساريو” على السمارة، قُبيل الجولة المنتظرة في واشنطن، على الرغم من أن المغرب نفسه لم يتفاعل مع الأمر على المستوى الرسمي، رسالة مباشرة بضرورة حسم الأمر داخل نطاق القرار الأممي لسنة 2025، وأن أي خروج عن هذه الحدود قد يعني المضي نحو خيارات أخرى بيد واشنطن.



