مِن “مشروع القرن” إلى حفرة معزولة وسط الصحراء.. رحالة قطري يكشف “وهم” غار جبيلات الذي قدمه تبون وشنقريحة للجزائريين كـ”ثورة اقتصادية”

شطاري خاص9 يونيو 2026
مِن “مشروع القرن” إلى حفرة معزولة وسط الصحراء.. رحالة قطري يكشف “وهم” غار جبيلات الذي قدمه تبون وشنقريحة للجزائريين كـ”ثورة اقتصادية”

أعادت مشاهد وثقها صانع المحتوى القطري خالد الجابر خلال جولته بدراجته النارية في أقصى الجنوب الغربي للجزائر فتح واحد من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للنقاش خلال الأشهر الأخيرة، وهو ملف منجم غار جبيلات الذي ظل يقدم في الخطاب الرسمي الجزائري باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية القادرة على إحداث تحول جذري في الاقتصاد الجزائري وإخراج البلاد من التبعية المفرطة لعائدات المحروقات.

ولم يكن الأمر يتعلق بتقرير اقتصادي أو تحقيق استقصائي أو دراسة أكاديمية متخصصة، بل بمقاطع وصور التقطها الجابر أثناء توثيق رحلته بشكل اعتيادي، غير أن ما ظهر في تلك المشاهد أثار موجة واسعة من التفاعل، بعدما بدت المنطقة التي ارتبط اسمها مؤخرا بوعود النهضة الصناعية والتنمية المنجمية أقرب إلى موقع معزول في قلب الصحراء منه إلى ورش اقتصادي ضخم يواكب حجم الخطاب الذي رافق المشروع منذ إطلاقه.

ومنذ الإعلان عن الشروع في استغلال غار جبيلات، حرص النظام الجزائري على تقديم المشروع باعتباره إنجازا تاريخيا واستثنائيا، فقد جرى الحديث مرارا عن احتياطات هائلة من خام الحديد تُقدر بمليارات الأطنان، وعن مشروع قادر على تحويل الجزائر إلى فاعل مؤثر في سوق الحديد العالمية، فضلا عن دوره المفترض في دعم الصناعة الوطنية وتقليص الواردات وخلق آلاف مناصب الشغل، كما رافقت المشروع تغطية إعلامية واسعة ركزت على الأبعاد الاستراتيجية للموقع وعلى ما روج بأنه بداية مرحلة جديدة في مسار التنمية الاقتصادية الجزائرية.

وتحول غار جبيلات تدريجيا إلى رمز سياسي واقتصادي في الخطاب الرسمي الجزائري، حيث لم يعد مجرد مشروع منجمي، بل أصبح جزءا من سردية أوسع تتحدث عن بناء اقتصاد قوي ومستقل وعن تحقيق السيادة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل الوطني، إذ أنه مع كل إعلان جديد يتعلق بالمشروع كانت الأرقام المتداولة تتضخم أكثر، سواء تعلق الأمر بحجم الاحتياطات أو بالإنتاج المرتقب أو بالمداخيل المنتظرة أو بمكانة الجزائر المستقبلية في السوق الدولية للحديد.

غير أن هذا الحماس الإعلامي والسياسي لم يكن يخلو من أصوات متحفظة دعت منذ البداية إلى مقاربة أكثر واقعية للملف، فقد أشار عدد من الخبراء والمتخصصين إلى أن القيمة الاقتصادية لأي منجم لا تقاس فقط بحجم الاحتياطات الموجودة تحت الأرض، بل كذلك بكلفة استخراجها ونقلها ومعالجتها وتسويقها، وهو ماتجسد في حالة غار جبيلات، بعدما طفت على السطح التحديات اللوجستية، بالنظر إلى البعد الجغرافي الكبير للمنجم عن الموانئ والبنيات التحتية الرئيسية، فضلا عن الحاجة إلى استثمارات ضخمة في السكك الحديدية والطاقة والمياه والصناعة التحويلية.

وتجدد هذا النقاش بقوة مطلع السنة الجارية عقب الجدل الذي رافق اختفاء الخبير الاقتصادي الجزائري جلول سلامة بعد تصريحات إعلامية تناول فيها المشروع من زاوية تقنية بحتة، وهو الأمر الذي تطرقنا إليه بالتفصيل في تقرير سابق نشر على موقع “الصحيفة” تحت عنوان : اختفى مباشرة بعد تشكيكه في جدوى غار جبيلات.. مصير غامض لخبير اقتصادي جزائري وسط اتهامات للسلطات باعتقاله خارج القانون بسبب تصريحاته والذي اعتبر أن الحديث عن مردودية اقتصادية سريعة لا ينسجم مع طبيعة الإكراهات المرتبطة بالمنجم، مشيرا إلى أن تحقيق الربحية يتطلب استثمارات هائلة وآجالا زمنية طويلة جدا، كما شدد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استخراج الخام فحسب، وإنما في القدرة على تحويله وتصنيعه محليا بما يخلق قيمة مضافة فعلية للاقتصاد الوطني.

ورغم أن هذه الملاحظات لم تخرج عن إطار النقاش الاقتصادي المعتاد، فإنها أعادت إلى الواجهة أسئلة مرتبطة بالفجوة المحتملة بين الخطاب السياسي والواقع التقني، وهي الأسئلة التي وجدت في المشاهد التي وثقها الرحالة السعودي مادة جديدة لإعادة تقييم المشروع من منظور مختلف، فبدلا من الصورة الذهنية التي رسمت لدى الرأي العام حول منطقة تعج بالنشاط الصناعي والمعدات والورشات الكبرى، أظهرت المقاطع المتداولة فضاء صحراويا هادئا لا يعكس، بالنسبة لكثير من المتابعين، حجم الوعود التي ارتبطت بالمشروع خلال السنوات الماضية.

ولا يمكن فهم الجدل المحيط بغار جبيلات بعيدا عن خلفيته التاريخية والدبلوماسية، فالمنجم ظل لعقود موضوع ترتيبات واتفاقيات بين المغرب والجزائر، من أبرزها الاتفاق الموقع سنة 1972 والذي نص على التعاون بين البلدين في استغلال المنجم ضمن تصور اقتصادي يأخذ بعين الاعتبار الموقع الجغرافي وطبيعة البنيات التحتية المتوفرة في المنطقة، غير أن هذا المسار ظل معلقا بفعل التحولات السياسية التي عرفتها العلاقات الثنائية، قبل أن تتجه الجزائر لاحقا نحو إطلاق المشروع بشكل أحادي كرد فعل تجاه تطورات تخص قضية الصحراء.

ولا ينفصل البتة، هذا المغطى عن طريقة تقديم بعض المشاريع الاقتصادية الكبرى للرأي العام الجزائري، وذلك في ضوء التصريحات التي أدلت بها زعيمة حزب العمال لويزة حنون السنة الماضي، والتي تحدثت فيها عن استياء الرئيس عبد المجيد تبون من الأرقام والمعطيات غير الدقيقة التي ترفع إليه بشأن عدد من الملفات الاقتصادية والتنموية، إذ بالرغم من أن حنون لم تربط حديثها مباشرة بمنجم غار جبيلات، فإن تصريحاتها أعادت طرح إشكالية دقة المؤشرات والمعطيات التي يعتمد عليها صناع القرار بقصر المرادية، ومدى مطابقتها للواقع الميداني الذي عرى واقع غار الجبيلات وفق توثيق اليوبترز السعودي، حقيقته ومعه حجم الهالة الاعلامية التي أحيط بها منذ الاعلان عنه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل