تتجاوز الدعوات المتداولة لإحداث وزارة خاصة بشؤون الصحراء مجرد اقتراح يتعلق بالهندسة الحكومية أو بإضافة حقيبة وزارية جديدة إلى بنية الجهاز التنفيذي، إذ تعكس، في خلفيتها، نقاشاً أوسع حول طبيعة تدبير ملف الصحراء في مرحلة إقليمية ودولية تتسم بتحولات متسارعة.
فبعد عقود ظل فيها الملف موزعاً بين أبعاد دبلوماسية وأمنية وتنموية وترابية، يطرح هذا المقترح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان من الضروري الانتقال إلى نموذج أكثر تخصصاً وتركيزاً في إدارة مختلف جوانب القضية.
وتكتسب الفكرة أهميتها من كون ملف الصحراء لم يعد محصوراً في المفاوضات السياسية داخل الأمم المتحدة، حيث أصبح مرتبطاً بشكل متزايد بمشاريع التنمية والبنيات التحتية والاستثمار والتعاون الإفريقي والدبلوماسية الاقتصادية.
وقد اعتمد المغرب خلال السنوات الماضية مقاربة تقوم على الجمع بين الدفاع الدبلوماسي عن موقفه، وتسريع التنمية في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز ارتباطها بالمجال الإفريقي والأطلسي.
وتؤكد المعطيات الرسمية المتعلقة بالنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية أن المقاربة تشمل قطاعات متعددة، من البنيات التحتية إلى الفلاحة والصيد والسياحة والربط اللوجستيكي والتنمية الاجتماعية.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الدعوات إلى إحداث وزارة متخصصة باعتبارها تعبيراً عن الحاجة إلى هيئة سياسية وتنفيذية قادرة على جمع هذه الملفات المتداخلة داخل رؤية واحدة.
فالتحدي لم يعد فقط في كيفية تقديم الموقف المغربي في المحافل الدولية، وإنما أيضاً في كيفية تحويل التطورات الميدانية والتنموية إلى أدوات للدبلوماسية والتأثير، وربط المشاريع الاقتصادية الكبرى بالتصور الاستراتيجي للمغرب تجاه أقاليمه الجنوبية وموقعها داخل محيطها الإفريقي.
ويأتي هذا النقاش في سياق دبلوماسي شهد خلال السنوات الأخيرة تطورات مهمة بالنسبة للمغرب. ففي يونيو 2026، أعلنت مجموعة من 40 دولة، خلال دورة مجلس حقوق الإنسان بجنيف، دعمها لـ”السيادة الكاملة والتامة” للمغرب على أقاليمه الجنوبية، وربطت قضية الصحراء بالمسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، مع الإشارة إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس للمفاوضات. وهذه التحولات تجعل تدبير الملف أكثر تعقيداً، لأن البعد الدبلوماسي أصبح يتقاطع بصورة أكبر مع الاستثمار والعلاقات الثنائية والتعاون الإقليمي.
وفي المقابل، فإن إنشاء وزارة مستقلة، في حال تحول المقترح إلى قرار سياسي، لن يكون ذا قيمة بمجرد تغيير الهيكلة الحكومية، وإنما سيتوقف تأثيره على طبيعة الاختصاصات التي ستمنح لها.
فإذا اقتصر دورها على التنسيق الإداري، فقد لا تضيف الكثير إلى المؤسسات والقطاعات الموجودة أصلاً. أما إذا جرى تصميمها باعتبارها مركزاً لتنسيق السياسات المرتبطة بالأقاليم الجنوبية، والدبلوماسية الخاصة بالملف، والتنمية والاستثمار والتواصل الدولي، فقد تصبح أداة لإعادة تنظيم المقاربة الرسمية برمتها.
وتبرز هنا مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي العلاقة بين التنمية والبعد السياسي. فقد جعل المغرب من الاستثمار في الأقاليم الجنوبية أحد المحاور الأساسية لترسيخ نموذج تنموي يقوم على البنيات التحتية والربط الاقتصادي. ويشمل ذلك مشاريع استراتيجية مثل الطريق السريع الرابط بين تيزنيت والداخلة، وميناء الداخلة الأطلسي، ومشاريع في مجالات الطاقة والفلاحة والصيد والسياحة. وتقدم السلطات المغربية هذه المشاريع باعتبارها جزءاً من رؤية لتحويل الجنوب إلى منصة اقتصادية تربط المغرب ببلدان إفريقيا جنوب الصحراء.
ومن هنا، فإن أي وزارة جديدة ستواجه تحدياً مزدوجاً: الأول داخلي يرتبط بضمان فعالية التنمية وتوزيع ثمارها وتعزيز الحكامة المحلية، والثاني خارجي يتمثل في تحويل هذه الدينامية الاقتصادية إلى رصيد دبلوماسي قادر على التأثير في مواقف الدول والشركاء. وهذا يعني أن الوزارة، إذا أُحدثت، لن تكون مجرد وزارة “ترابية”، بل قد تتحول إلى مؤسسة ذات وظيفة استراتيجية تجمع بين السياسة الخارجية والتنمية والتواصل والاستثمار.
كما أن خصوصية ملف الصحراء تفرض الانتباه إلى أن المقاربة المغربية الرسمية لا تقوم على البعد التنموي وحده، وإنما تربطه بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ويعود المقترح المغربي رسمياً إلى سنة 2007، حين قدمت الرباط مبادرتها إلى الأمم المتحدة باعتبارها أساساً للتفاوض حول حل سياسي للنزاع. وتنص المبادرة على منح المنطقة صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية واسعة، مع احتفاظ الدولة المركزية باختصاصات سيادية من بينها الدفاع والعلاقات الخارجية.
وبالتالي، فإن النقاش حول وزارة لشؤون الصحراء يفتح عملياً نقاشاً أوسع حول المرحلة المقبلة من إدارة القضية الوطنية. فبعد مرحلة طويلة كان التركيز فيها منصباً بدرجة كبيرة على تثبيت الموقف الدبلوماسي والدفاع عنه، يبدو أن الرهان يتجه بصورة متزايدة نحو إدارة مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها تحويل المكاسب الدبلوماسية والتنموية إلى منظومة مؤسساتية متماسكة ومستدامة.
في المحصلة، تبقى فكرة إحداث وزارة خاصة بشؤون الصحراء، في الوقت الراهن، ضمن دائرة المقترحات والنقاشات ما لم يصدر قرار رسمي بهذا الشأن. لكن مجرد عودة هذا المقترح إلى الواجهة تكشف عن تحول في طبيعة النقاش حول تدبير الملف، من سؤال الدفاع عن القضية إلى سؤال أكثر تركيباً يتعلق بكيفية إدارة مرحلة جديدة تتداخل فيها الدبلوماسية والتنمية والاقتصاد والاستثمار والإعلام والعلاقات الإفريقية. ولذلك فإن أهمية الفكرة، في نهاية المطاف، لن تقاس باسم الوزارة أو رتبتها داخل الحكومة، وإنما بقدرتها المحتملة على إنتاج رؤية موحدة تجعل مختلف هذه الأبعاد تعمل ضمن استراتيجية واحدة وطويلة المدى.



