من السياحة البيئية إلى الاقتصاد القروي.. جماعة الجديرية بالسمارة تجسد طموح «مغرب السرعة الواحدة»

شطاري خاص22 أكتوبر 2026
من السياحة البيئية إلى الاقتصاد القروي.. جماعة الجديرية بالسمارة تجسد طموح «مغرب السرعة الواحدة»

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الأوراش التنموية الكبرى التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة، تبرز جماعة الجديرية القروية بإقليم السمارة باعتبارها إحدى التجارب المحلية التي تراهن على تحويل المؤهلات الطبيعية والاقتصادية إلى مشاريع ملموسة، في مسار تنموي يقوم على تنويع الاستثمارات وتقريب الخدمات الأساسية من الساكنة.

هذه الدينامية تجسدت بمناسبة الاحتفالات المخلدة للذكرى الأولى لعيد الوحدة، من خلال إطلاق وتقديم حزمة من المشاريع التنموية، في أجواء عكست مستوى التنسيق والانسجام بين عامل إقليم السمارة، إبراهيم بوتوميلات، ورئيس جماعة الجديرية، البشير أجدود، بما يبرز أهمية تكامل أدوار السلطة الترابية والمؤسسة المنتخبة في مواكبة التنمية المحلية.

ولعل ما يميز هذه الأوراش هو تنوع مجالاتها، إذ لا تقتصر على تعزيز التجهيزات الأساسية، بل تمتد إلى الاستثمار السياحي والفلاحي والطاقي والاجتماعي، في توجه يسعى إلى إرساء مقومات اقتصاد قروي منتج، قادر على تثمين الموارد المحلية وتحسين ظروف عيش المواطنين.

ففي المجال السياحي، يشكل مشروع المأوى الإيكولوجي، الذي رصد له استثمار بقيمة 1.77 مليون درهم، خطوة نحو استثمار الخصوصيات الطبيعية والمجالية للجديرية، وفتح آفاق أمام السياحة البيئية باعتبارها رافعة محتملة لتنويع الأنشطة الاقتصادية.

أما على المستوى الفلاحي، فتبرز مشاريع تسمين الماعز وإنتاج الشعير المستنبت، باستثمار إجمالي يناهز خمسة ملايين درهم، باعتبارها مبادرات تستهدف الانتقال من الأنشطة التقليدية إلى تثمين الإنتاج المحلي، ودعم التعاونيات ومربي الماشية، بما يتيح فرصا جديدة لتحسين المداخيل.

وفي المجال الاجتماعي، تشمل المشاريع إحداث مركز لتأهيل وإدماج المرأة القروية، إلى جانب تجهيز منازل بألواح الطاقة الشمسية بغلاف مالي يبلغ 800 ألف درهم، فضلا عن تعزيز التجهيزات الجماعية بإحداث فضاءات للاجتماعات والاستقبال.

كما حظي الجانب الصحي بنصيبه من البرنامج، من خلال تنظيم أنشطة طبية وتحسيسية لفائدة الساكنة، مع اهتمام خاص بصحة الأم والطفل والتوعية بأهمية الرضاعة الطبيعية الحصرية.

وإذا كانت طبيعة هذه المشاريع تعكس تعدد الحاجيات التنموية للجماعة، فإن أهميتها تكمن أيضا في المقاربة التي تجمع بين تحسين الخدمات الأساسية وخلق الأنشطة المدرة للدخل، باعتبارهما مسارين متكاملين لتحقيق تنمية قروية مستدامة.

وتسلط تجربة الجديرية الضوء على الدور الذي يمكن أن يضطلع به التنسيق بين السلطات الإقليمية والمجالس المنتخبة في تعبئة الشركاء وتوجيه الاستثمارات نحو الأولويات المحلية، خصوصا في المجالات القروية التي تفرض خصوصياتها الجغرافية والديمغرافية تحديات إضافية أمام التنمية.

غير أن الرهان الأكبر يظل مرتبطا بسرعة إنجاز هذه المشاريع وضمان استمرارية تشغيلها، ومدى قدرتها على إحداث تحول فعلي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للساكنة، بعيدا عن الاكتفاء بإحداث البنيات والتجهيزات.

وبهذا المعنى، تتجاوز الأوراش المفتوحة بجماعة الجديرية بعدها المحلي لتطرح سؤالا تنمويا أوسع يتعلق بموقع الجماعات القروية ضمن التحولات الاقتصادية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية.

فالحديث عن «مغرب السرعة الواحدة» لا يكتمل بالمشاريع الكبرى وحدها، بل يتجسد أيضا حين تصل التنمية إلى الجماعات القروية، وتتحول إمكانياتها المحلية إلى فرص اقتصادية وخدمات ملموسة، بما يجعل العدالة المجالية واقعا يلمسه المواطن في حياته اليومية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل