من الريف إلى الصحراء..عندما تجمع لفافة سيجارة خارطة بلاد بأكملها

من الريف إلى الصحراء..عندما تجمع لفافة سيجارة خارطة بلاد بأكملها

شطاري "خاص"7 أغسطس 2018آخر تحديث : الثلاثاء 7 أغسطس 2018 - 10:51 صباحًا

سعيد المرابط-ماروك تلغراف:

في مجتمع صغير كالمجتمع الصحراوي، باتت في الآونة الأخير تطفوا ظواهر عديدة إلى السطح، لم يكن يعرف لها مثيلاً بحكم تماسكه المجتمعي وعاداته المحافظة، فبعد أن كانت رحلة تدخين سيجارة واحدة تحمل صاحبها على الإبتعاد عن الأنظار حشمةً ووقاراً، صارت لفافات الحشيش والمخدرات تجوب شوارع مدينة كـ”العيون“، في واضحة النهار.

سواء أكانت اللفافة ذكوريّة، أو ممهورةً بأحمر شفاهٍ قاني؛ أصحبت الظاهرة، المنتشرة بشكل لم يسبق له مثيل، تشكل خطراً ينخر رئة المجتمع ويهدده من كل الجوانب.

طرق تهريبها، الفئة التي تستهلكها، والوسائل التي ينهجها الأمن لمحاربتها؟..

نقاط فرض فك خيوط غموضها المتعنكبة؛ البحث عن مروجيين ومهربين، لكن الكل كان خائفاً، من الحديث للصحافة، بل ويتهرب منا، إلا إثنين؛ الأول أفسح المجال لسرد تجربتيه، أما الآخر فاكتفى بالحديث هاتفيا، قبل أن يغلق الخط بشكل مفاجئ.

وهنا، في هذا التقرير، وتحريا منا للحقيقة، ومصداقية الكلمة، كما عودناكم ومراعاة للأخلاقيات المهنية؛ لا تدعي ”ماروك تلغراف“، لا من قريب ولا من بعيد؛ أنها وقفت على عملية ترويج، أو تهريب للمخدرات، بقدر ما هي تنقل لكم شهادات ممن خبروا هذا المجال.

WhatsApp Image 2018 08 05 at 19.12.18 - شطاري؟

الأسباب.. اجتماعية و الظروف فردية

هناك شرقي مدينة العيون، نبت في ذلك المكان الذي كان خاليا إلى أمسٍ قريب؛ حي حديث ، هو واحد من أكثر الأماكن ازدحامًا ونشاطا في العيون؛ كان لقاؤنا بأحد المقاهى، لمن سنسميه اختصارا بـ ”م.م“، والذي قبل التحدث ل”ماروك تلغراف“، شريطة عدم ذكر اسمه وصفاته؛ مع شاب من مدينة العيون، في السادسة والعشرين من عمره تقريباً.

وكما يقول هو، لا مستوى دراسي له، وسنوات عمره، قضى منها خمساً متفرقة وراء قضبان زنازين سجون عدّة، بتهم ترويج وبيع المخدّرات، قبل أن يستطرد: ”فقط تعلمت القراءة والكتابة في الإبتدائي، قبل أن أغادر الدراسة للعمل، في غياب الأب المعيل وعدم قدرة الأم على تحمل مصاريف أعباء الحياة التي لا ترحم”، ويصف الأوراق النقدية كلفافة سريعة الاشتعال كما هي سريعة النفاذ.

لا يخفي جليسنا، أنه متورط مع ظروفه الاجتماعية ضد نفسه، قائلاً في كلام مختصر: ”لم أستطع العمل لأن ما كان متاحاً أمامي يتطلب جهداً عضلياً لم أكن أملكه في ذلك العمر، مما دفعني لولوج عالم المخدرات، كأقصر الطرق نحو المال“.

WhatsApp Image 2018 08 05 at 19.12.18 1 - شطاري؟

ليسو من المعدمين فقط .. مدمنو الحشيش من كل فئات المجتمع

وسط استغرابنا كمخاطب، أكد ”م.م“، أنه يغطي يومياً، حاجة أكثر من ثلاثين مدمنا، على مخدر حشيش الشيرا، في الجهة الشرقية من مدينة العيون، بمقدار يفوق الخمسة وعشرين كيلوغراما في الشهر.
ولديه من الزبناء، ما ينتشر داخل مختلف شرائح المجتمع، وهو يوضح هنا قائلاً: ”لست ”البزناز“ -المروج- الوحيد في هذا الحي، هناك غيري، ولكلٍ زبناؤه وسلعته، أنا أبيع في الشهر ما بين عشرين وثلاثين كلغ، لما بين الثلاثين والأربعين زبوناً، يتعاملون معي، بشكل شبه يومي“.

وحول سؤالنا عن أنواع هذا المخدر الذي يبيعه؟، يجيب ”م.م“، بوجود أنواع مختلفة ومتغيرة الأثمان مردفاً: ”تختلف الأنواع باختلاف الثمن، فهي تتراوح من ثلاثة دراهم للغرام الواحد إلى تسع دراهم، الأرخص ثمنا هنا يباع للمستهلك الذي يشتري كمية قليلة، لا تتجاوز خمسين درهماً، بينما زبائن السلعة الغالية، قليلون ولكن يشترون “بالثمن” -يقصد هنا الكمية المرتفعة-“.

ليست الظروف الاجتماعية وحدها هي ما تدفع الإنسان لتعاطي المخدرات، فهنا تقف في ذات المكان دراجات هوائية مهترئة، كما تقف السيارات الفارهة منتظرة وصول البضاعة، كل يبحث عن نشوته و”تكيفه” -يقصد المزاج-، وعن ذلك، يقول ”م.م“ بهدوء وهو جالس على كرسي المقهى يحتسي قهوته بينما يتناثر رماد سجارته بالعرض البطيئ وهو يستطعم دخانها: ”أبيع الحشيش لشباب عاطل وحرفيين كما لمراهقين، و ستفاجأ إن قلت أن من بينهم بنات من عائلات ميسورة، فيهن طالبات وموظفات وطبيبات، وحتى لبعض الرجال الميسورين، من موظفين وتجار“.

من الريف إلى الصحراء.. قصة لفافة تبغ

رغم بعد المسافات، بين الريف والصحراء، إلا أن الحشيش، قد طواها في لفافات التبغ، وحول الخارطة بطولها، من أقصاها إلى أقصاها، إلى ورقة ”نيبرو“ في يد ”مدمنٍ أو حشاشٍ“، حسب اختلاف التعبيرات، وقد يبدوا الحديث هنا أشبه بهلوسة تحت تأثير مخدر، لكنها حقيقة مرة يعجز مجاز اللغة عن ترجمة مراراتها.

إذ يؤكد ”م.م“، بعد سؤالنا له، عن مصدر الحشيش الذي يروجه، أنه قبل إعتقاله الأخير، مذ عامين، وترحيله إلى سجن ”أيت ملول“ بمدينة أكادير؛ كان يقتني الحشيش من تجار كبار للحشيش هنا بالعيون؛ وفي ذات الصدد يضيف، أنها ذات الطريقة التي ينهجها غيره من “البزنازة”، بحكم أن واقع السوق يشير إلى تورط بارونات، قد يكلفه ذكر أحد أسمائهم في الموضوع حياته بدون مبالغة.
المخدرات تصل القادمة من الريف، لا خلاف على ذلك، حيث يعترض “م.م” دون غيره شاحنات نقل البضائع والخضار، القادمة من الشّمال، ويضيف: ”عند وصولها؛ أخرج لتسلم البضاعة، في إحدى محطات البنزين النائية، قبل أن تكمل الشاحنات طريقها نحو الداخلة أو موريتانيا“.

WhatsApp Image 2018 08 05 at 19.13.22 - شطاري؟

وتؤيد أقوال “م.م”، عن هذه الطريقة التي يتم بها تهريب المخدرات؛ عدة تقارير صحفية، من وسائل إعلام مغربية وموريتانية، تتحدث عن توقيف شاحنات محملة بالمخدرات، كانت في طريقها للعيون، الداخلة، وحتى موريتانيا.

تركنا المستضيف راكناً إلى قهوته وقد بردت كما حديثنا، لننتقل إلى الحديث هاتفياً مع أحد الشباب اللذين يحترفون، نقلَ وتهريبِ المخدرات والسجائر، لكن هذه المرة بطريقة أخرى جديدة.

“ب.ع” أكد لنا أنه يتسلم شحنات كبيرة، من المخدرات، من منطقة ”سيدي بيبي“، ضواحي أكادير، من شاحنات نقل البضائع والخضروات، ويحملها في سيارته ذات الدفع الرباعي، التي توصلها للصحراء، عبر سلك طرق وعرة، في عدة مناطق.
طرق تحفل عادة بنقط مراقبة مشددة، مما يضطر هؤلاء للجوء إلى”التشطاب“، الطريقة التي يطلقون عليها هذه التسمية عطفاً على تقنية الكنس؛ أي تجنب مراكز المراقبة، من خلال اتخاذ طرق أخرى في عمق الصحراء والوديان.

مسالك ”لخصاص“، ”واد الشبيكة“ و”الواد الواعر“، متسمة بالوعورة ولا مكان فيها لأضواء كاشفة، كي لا تثير الانتباه، المسير يتم بإتباع غريزة الحفظ، فقد خبروا تلك المسالك كما لو أنهم اقتيدوا فيها معصوبي الأعين يتبينون طريقهم بدقة.

إحصائيات رسمية .. تتحدث عن اتساع خارطة التعاطي بشكل مهول

الحديث عن تجارة المخدرات، وانتشارها، أمر اعتاد عليه السواد الأعظم من ساكنة المدينة، فلا يخلو تجمع هنا أو هناك، من تبادل المعلومات بشأن تجار بعينهم، أو عن آخرين من الذين وقعوا في أصفاد الأمن.

بحثا عن حقيقة هذا، من صادر رسمية؛ استسقينا نحن، معلومات من ”ولاية أمن العيون“، والتي كشفت لنا أن عدد الموقوفين بهذه التهم، وصل سنة ال2017، إلى 260 حالة إيقاف، بينما وصلت في السنة الجارية وإلى حدود اليوم، ال150؛ في الحيازة والاتجار في مخدر الشيرا، بينما شهدت السنة الماضية ستة حالات في المخدرات الصلبة، وثمان وثلاثين في الأقراص الصلبة، وسجلت ثلاث حالات على مستوى الكوكايين، وستة وأربعين لما يصطلح عليه ب”القرقوبي“ في هذه السنة.

وأضاف المصدر الذي تحدث ل”ماروك تلغراف“ أنه: ”رغم الإجراءات الأمنية المشددة، إلا أنه ينجح المهربون والمروجون كل مرة في نقل شحنات من الحشيش ويتمكنون من إيصالها إلى المدينة“.

وأوضح أن: ”نشاط التهريب والترويج يشمل (أقراص الهلوسة والكوكايين)، حيث تنشط عصابات التهريب التي تبتكر في كل مرة وسائل وطرقا جديدة؛ للإفلات من الرقابة التي تفرضها وسائل الأمن“.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

شطاري "خاص"