سقوط أكبر سند للبوليساريو خارج إفريقيا يوجّه ضربة موجعة للجزائر

شطاري خاص4 يناير 2026
سقوط أكبر سند للبوليساريو خارج إفريقيا يوجّه ضربة موجعة للجزائر

شطاري-متابعة:

تحوّل الاسم الأثقل في معسكر “مناهضي واشنطن” بأمريكا الجنوبية في اليوم الثالث من العام الجديد، إلى صدمة سياسية عالمية. فرئيس دولة يُعتقل في عملية عسكرية أميركية هي الأولى من نوعها منذ غزو بنما سنة 1989، ونيكولاس مادورو، الذي ظلّ لسنوات عنوانا للمواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وملاحقا بتهم “الناركو–إرهاب” وتهريب الكوكايين، وجد نفسه فجأة في قبضة القوات الأميركية بعد عملية وُصفت بـ”الضربات واسعة النطاق” التي استهدفت مواقع عسكرية في كاراكاس ومحيطها، وفق ما نقلته مصادر أميركية متطابقة وما أكده الرئيس دونالد ترامب بنفسه.

لكن هذا الحدث، بكل ثقله الدرامي والأمني، لا يتوقف عند حدود الاشتباك التقليدي بين واشنطن وخصم إيديولوجي قديم، فارتداداته تتجاوز الحدود الفنزويلية لتصل مباشرة إلى شمال إفريقيا، حيث يلامس أحد أكثر الملفات حساسية مثل ملف الصحراء.

بالنسبة إلى الرباط والجزائر، لا يعني اعتقال مادورو فقط نهاية مؤقتة لزعيم لطالما رفع شعار “الممانعة” في وجه الولايات المتحدة، بل يرمز إلى سقوط أحد أكثر الأنظمة حماسة في الدفاع عن جبهة البوليساريو الانفصالية وإسناد أطروحتها داخل أمريكا اللاتينية.

ومع خروج كاراكاس ولو مرحليا من موقع التأثير، ينفتح من جديد ملف التوازنات في جنوب القارة من زاوية الصراع المغربي الجزائري، بين دبلوماسية مغربية تراهن على البراغماتية والتحالفات الاقتصادية، وخسارة جزائرية جديدة مكشوفة لواجهة رمزية طال اعتمادها في معركة الاعتراف والدعم السياسي للبوليساريو، في لحظة دولية ترتسم فيها ملامح انتقال نحو واقعية أكثر صرامة وأقل تسامحا مع المغامرات الإيديولوجية.

ومنذ سنوات، شكّلت فنزويلا تحت قيادة نيكولاس مادورو، إحدى الركائز الرمزية البارزة في دعم أطروحة جبهة البوليساريو خارج إفريقيا، ليس فقط كدولة تعترف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، بل كصوت سياسي يتماهى مع سرديات “التحرر” و”مناهضة الاستعمار” في المحافل الدولية.

الدعم الفنزويلي للبوليساريو لم يتجلّ فقط في بيانات رسمية متكررة تُرحّب بنضال الحركة الانفصالية، بل كان جزءا من رؤية أوسع تُقدّم الملف الصحراوي كمثال على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو الخطاب الذي كرّره وزير خارجية فنزويلا نيابة عن مادورو في مايو 2025 بمناسبة الذكرى الـ52 لتأسيس البوليساريو على نحو استفزازي، فيما تجاوز هذا التموضع مجرّد علاقة ثنائية مع حركة سياسية بعيدة ليرتبط بسياق إقليمي تُسّوق فيه الجزائر لملف الصحراء كقضية “تحرر” في الفضاء الدولي، حتى صار دعم كاراكاس نقطة توازن مهمة في شبكة الاعترافات والدعم التي تسعى البوليساريو لتثبيتها في أميركا اللاتينية.

وهذا الدعم المتكرر وُصف، في عواصم دبلوماسية عدة، بأنه يمنح القضية “شرعية رمزية” في أوساط حكومية وشعبية، ويُغذي سردية طويلة تنظر إلى النزاع بوصفه امتدادا لأطر تاريخية أوسع للصراع ضد الاستعمار.

قبل سنوات، تسبب هذا الاصطفاف في توتر ثنائي مع الرباط، ففي 2009 قرّر المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع كاراكاس احتجاجا صريحا على مستوى الدعم الممنوح للبوليساريو، وهو قرار يعكس إدراك الرباط لأهمية تموضع فنزويلا في هذا الملف كما أن الرباط سعّت لاحقا إلى استثمار أي فرصة سياسية يمكن أن تُضعف صلابة هذا الاصطفاف. فعلى خلفية الأزمة السياسية في فنزويلا أعلنت دعمها للتواصل مع خوان غوايدو سنة 2019 كـ”رئيس انتقالي” في محاولة لفتح نافذة دبلوماسية خارج منظومة مادورو، بعيدا عن إرثه الإيديولوجي في دعم البوليساريو.

المعنى الاستراتيجي لهذا التموضع يتجاوز البعد الرمزي وحده، ففي عواصم عدة بأميركا الجنوبية، مثّل دعم كاراكاس للبوليساريو مؤشرا على ارتباط الملف بسياقات إقليمية أخرى، ويُنظر إليه كمكوّن من شبكة أوسع للمواقف التي تصطف إزاء قضايا تقرير المصير والحدود وما يُعتبَر “انتهاكا للاستعمار” ولذلك، كان لتصريحات فنزويلا المتكررة وتنظيم الفعاليات وللاحتفاءات الرمزية بالقضية تأثير في تعزيز حضور البوليساريو في فضاءات سياسية بعيدة عن إفريقيا، على الرغم من أن تأثير هذا الدعم كان غالبا أكثر رمزية من كونه مؤثرا بشكل مباشر في القرار الحكومي في دول المنطقة.

هذه التطورات تُثير أسئلة جوهرية لدى الرباط والجزائر حول قدرة مثل هذا الدعم الخارجي على الصمود في وجه تحولات جيوسياسية كبرى، في وقت تتجه فيه الإدارة الأميركية إلى وضع خيارات سياسية جديدة فيما يخص نزاع الصحراء ومسار الأمم المتحدة نحو تعزيز مقترح الحكم الذاتي المغربي كأرضية تفاوض، وهو ما دفع جبهة البوليساريو والجزائر إلى رفض مبادرات رسمية مثل مشروع قرار من مجلس الأمن تعطي أولوية لهذا المقترح في أكتوبر 2025.

و بالنسبة إلى الجزائر، لا يمثل مادورو مجرد رئيس بعيد في أميركا اللاتينية فهو نموذج قريب لنظام ريعي يعتمد على عائدات النفط ويجد شرعيته في خطاب “الثورة” و”مناهضة الإمبريالية”، ويسوّق سياسة خارجية هجومية في ملفات يعتبرها “قضايا مبدئية” (فلسطين، الصحراء، كوبا، إلخ)، ويسعى لتوظيف هذه القضايا في بناء نفوذ خارجي يعوض أزماته الداخلية.

ومن زاوية الصحراء المغربية، يشكل غياب مادورو ضربة مزدوجة للجزائر من خلال خسارة واجهة في معركة الاعتراف فأمريكا الجنوبية كانت تاريخيا الحديقة الخلفية لجزء من الاعترافات بالبوليساريو. ومع تراجع عدد الدول المعترفة، تصبح كل عاصمة مؤيدة ذات قيمة مضافة وفنزويلا في المقدمة كما أن رحيل مادورو أو تهميش تياره يعني تلقائيا تضييق هامش المناورة الجزائري في هذه الجبهة.

النقطة الثانية، هي إضعاف رمزي لـ”نموذج الحكم” ففي سردية جزء من النخبة الجزائرية، يشكّل تحالف أنظمة مثل فنزويلا والجزائر وسوريا وكوبا “دليلا” على صمود نموذج “الدولة-الثورة” بوجه الضغوط الغربية فيما يشكّل اعتقال مادورو رسالة بأن هذا النموذج نفسه قابل للاختراق والتكسير عندما تتقاطع هشاشته الداخلية مع ضغوط خارجية هائلة.

التحدي الثالث، هو الضغط الإضافي في علاقاتها مع واشنطن فالجزائر نفسها دخلت في الأشهر الأخيرة في محاولة “تطبيع” مع الولايات المتحدة لتخفيف عزلتها، مع الحرص على عدم المساس بدعمها التقليدي للبوليساريو والآن، ومع اعتقال حليفها الفنزويلي على يد واشنطن، ستجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا مكمنها كيف تستمر في خطاب يدين “التدخلات الإمبريالية” مع الحفاظ على قنوات مفتوحة مع الإدارة الأميركية نفسها؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل