نريد رجل سلام لا حرب

نريد رجل سلام لا حرب

شطاري "خاص"28 يونيو 2016آخر تحديث : الثلاثاء 28 يونيو 2016 - 8:27 مساءً
عبد المولى بابي

  عبد المولى بابي:1340387521

لقد ظللت لوقت كثير أنأى بنفسي وأتجنب النقاش والكتابة في موضوع النزاع بالصحراء لمجموعة من الاعتبارات: لعل من بينها كون القضية أكبر منا فهي داخل دهاليز وأروقة الأمم المتحدة ولم تتبلور بعد رغبة أكيدة لإشراكنا فيها، زد عليه انشغالنا بقضايا التدبير المحلي وغير ذلك كثير، ونظرا لكوننا من أبناء المنطقة المحسوبين على الفئة المثقفة أو ما شابه ذلك ولحساسية المرحلة حيث الوضع في المنطقة مرشح لكل الاحتمالات فالحرب قد تدق أوزارها في أي وقت لا قدر الله، أبينا إلا أن نخرج عن صمتنا ومن مسؤوليتنا العلمية والانتماء لهذه الربوع رأينا من واجبنا الأخلاقي الإدلاء برأينا في هذا الموضوع لعله يعكس ما يروج بداخل المنزل والشارع الصحراوي أو جزء منه على الأقل، كون حادث وفاة المرحوم محمد عبد العزيز الأمين العام السابق لجبهة البوليساريو مهما حاولنا إخفاء أو نكران تأثيره على الساحة الإقليمية فلن نكون صادقين، الجزائر وموريتانيا أعلنتا الحداد والرباط تتضرع له للمولى عز وجل بالرحمة والغفران والواقع بالصحراء غني عن التعبير، فلا ينكر اثنان ولا تتناطح شاتان بأن الصحراويين سمهم كما شئت شعبا أو مجتمعا اليوم ليس هم الأمس فإن كان من المألوف أن يحركهم شعور قبلي فقد حل محله آخر لا أرى من توصيف مناسب له مهما حاولت تلطيف العبارة إلا شعورا وطنيا سواء كان ذلك تحت السيادة أو فوقها، لقد كان يرى الجميع أن المرحوم الولي ولد السيد هو الشخصية الملهمة والتي حظيت بإجماع أهل الصحراء على مر تاريخهم سواء من طرف الجيل الذي عاصره أو الذي أتى بعده، ليتبين بالملموس ومع مرور الأيام وبما لا يدع مجالا للشك أن القضية ليست قضية شخص أو أشخاص وأن بالصحراء أولياء وصلحاء كثر غير ولد السيد تغمده الله برحمته الواسعة، فحادث وفاة المرحوم محمد بن خليلي بن البشير ومن قبله رفيقي دربه المحفوظ علي بيبا والخليل سيدي امحمد ليس بالطبيعين بل كشفا عن لحمة ووحدة منقطعة النظير تم فيها نكران الذات والعرق وألقوا بظلالهم على المنطقة ككل سواء إن شرق أو غرب الجدار، حيث التحفت حسابات عموم الصحراويين في Facebook و WhatsApp السواد والحداد وصور المشمولين بعفو الله ومن مختلف مواقعهم: مواطنين بسطاء، موظفين في الدولة بل منتخبين وأعيان ووجهاء يحملون في أعناقهم بيعة للعرش ويحجون كل سنة للقصر العامر لتجديدها، هذا ما هو مصرح به طبعا والمضمر قد يكون أقسى وأشد حرقة ناهيك عن حفلات العزاء وصلوات الغائب والتجمهرات وغيرها من الأشكال هنا وهناك، ومن هذا المنطلق وكوننا تربطنا بإخواننا في الضفة الشرقية آصرة الدم الذي يجري في العروق قبل أديم الأرض المبارك والمصير المشترك إذا تقرر أو خيار آخر إذا قوبل به مستمرا أو مؤقتا أو بقي الحال على ما هو عليه، أو أعلنها خليفة محمد حربا لا هوادة فيها لا تدع ولا تذر أصبحنا حينها مرمى نيران صديقة، فالواقع بكل بساطة واختصار وبعيد عن العواطف هو أن جيشين نظامين سيخوضان حرب الصحراء واحد مدفوع الأجر والآخر يبتغي الشهادة، وأن مدنا ستعيش على واقع التقتيل والتنكيل والاعتقال والتعسف وصدام بين مجتمعين شاءت الأقدار بصرف النظر عن الظروف السياسية أن يتوطنوا ويستوطنوا هذه المدن الأول قدم من البوادي في حرب الصحراء الأولى والآخر جلب من حواشي مدن شمال المغرب، الأول يراها ثورة من الداخل تشد عضد المقاتلين أو ردة فعل خاصة إذا ما وصله الخبر الأليم بسقوط ابن أو أخ أو ابن عم في ساحة الوغى، والثاني يراها حملة شوفينية تستهدفه أساسا علما أن هناك عناصر وراء الكواليس ستصطاد في المياه العكرة بتغذية هذه الفتنة لا محالة التي لطالما سعينا حثيثا لإخمادها وما فتئنا ندعوا للتعايش، أكيد أن رحلات الطائرات الأولى للخطوط الملكية المغربية بكل من العيون والداخلة قبل أن تدك المطارات ستقل برلمانيون ورؤساء جماعات وعائلاتهم – الذين لطالما تصارعنا فيما بيننا من أجلهم – إلى وجهات آمنة سواء في الرباط أو الجزر الجعفرية علما أن السواد الأعظم منهم مجنس أو له على الأقل بطاقة الإقامة واستطاع في وقت سابق ونحن في غفلة من أمرنا تحويل أو بالأحرى تهريب قدرا كافيا من الفائض السنوي من ميزانية جماعته مما يوفر له العيش الكريم وفلذات كبده حتى تضع الحرب أوزارها ليعود ويحكمنا من جديد تحت مسمى القبيلة وبسلطة المال وجراحنا ما زالت لم تندمل بعد، غير بعيد عن هذا المشهد سنرى ممن يحسبون جدلا على النخبة الصحراوية المثقفة الذين لطالما شغلونا في الجامعات والمداشر بالأشكال والألوان من أجل القضية الوطنية وبحت حناجرهم بالشعارات الرنانة فما أن أطلقت أولى رصاصة حتى تجدهم يتوارون عن الأنظار خلسة يطرقون أبواب القنوات الفضائية التي تتنافس من أجل تسجيل سبق إعلامي في نشراتها الإخبارية وبرامجها الحوارية عن الحرب في المنطقة باستضافة أحد أبنائها مقدما لمعطيات أو محللا لأخرى فيطلون علينا في France 24  أو الجزيرة بالزي الصحراوي والخريطة الوطنية من وراء ظهورهم يحمل مفتاحها قطعا عسكرية: اشتباك جند ومقاتلين، دبابات وطائرات تقصف، راجمات صواريخ  ونقاط وجبهات قتال مشتعلة هنا وهناك، حريصون على الظهور بأحسن هندام ولكنة حسانية قحة مقابل أجر يوفر لهم سبيل العيش الكريم وإقامة بفنادق مصنفة بخمس نجوم، حتى تضع الحرب أوزارها ليعودوا وينافسوا حكامنا التقليدين في امتلاك رقابنا بذريعة أنهم كانوا يرافعون عنا في المحافل الدولية في سيناريو شبيه بحال القطر الليبي الشقيق ما بعد معمر فقط بخصوصيات محلية، فضحية الحرب الأولى هم قوافل المتوفين وذويهم وأنت وأنا البسيط وغيرنا ممن على هذه الأرض الجريحة جاء يبتغي رغيف خبز وسمكة طرية، كما ستعج المحطات الطرقية للمدن الصحراوية بمئات المسافرين حيث ستشهد الطريق الوطنية رقم 1 شمال الساقية الحمراء أو ما وراء درعة حركة دؤوبة للحافلات والسيارات الخاصة والأجرة في عملية نزوح للسواد الأعظم من قاطني هذه الحواضر كون معبر الكركرات البوابة الجنوبية الوحيدة للمنطقة سيوصد في حينه، ولن يبقى في هذه الربوع إلا من لم يغادرها قط عبر تاريخها تحت أي مبرر أو ظروف طبيعية كانت أو بشرية الذي أبى أن يغادرها في سنوات الغيث والقحط وفي “الغزيان” وعام “الهجوم” و”ملكة لحكامة” وإبان حرب الصحراء الأولى وغير ذلك كثير، كما أن كرة اللهب المتدحرجة هذه لن تحرق الصحراء وحدها فحسب بل ستتطاير شظاياها لكل دول الجوار كما صرح بذلك مؤخرا السيد شيسانوا مبعوث الاتحاد الإفريقي للمنطقة بقوله: “إن الصحراء قد تظهر مشكلة صغيرة ولكن يجب أن لا ننسى أن شرارتها يمكن أن تضرم النار في الغابة”، فبالله عليكم يا أهل الصحراء فمن كان يعبد محمدا فإن محمدل قد مات، ومن كان يعبد الله فالله حي لا يموت، والقضية تعنينا جميعا ونتألم ونتأسى لحياة اللجوء لأهالينا شرق الجدار ويحز في نفسنا ذلك كثيرا إلا أننا نريد رجل سلام لا حرب.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

شطاري "خاص"