تواجه الجزائر صعوبة بالغة في إبداء تضامن صريح مع دول الخليج العربي، وهو ارتباك يجد جذوره في ارتهان نظامها لعقلية شمولية عسكرية تتقاطع بشكل عضوي مع النظام الإيراني، حيث تتبنى هذه الأنظمة رؤية عدمية للعالم تقوم على أن “القوة الداخلية تُبنى عبر إضعاف المحيط الإقليمي”.
هذا الارتباط بين الجزائر وطهران لا يقوم على مصالح اقتصادية منتجة، بل على استراتيجية مشتركة لصناعة الفوضى وتفتيت الجبهات المجاورة، مما أدى بالضرورة إلى فقدان الزخم في الاندماج ضمن النظام العالمي وتحويل هذه البلدان إلى كيانات فاشلة تنمويا رغم ثرواتها الهائلة.
وبالمقارنة التاريخية، نجد أن أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية اختارت مسارا نقيضا تماما، فبدلا من استنزاف الموارد في إضعاف دول المحيط، اعتمدت دول أوروبا على مبدأ “الرفاه عبر الاندماج والتشارك”، محولة العداوات التاريخية بين دولها إلى تكتل اقتصادي وسياسي (الاتحاد الأوروبي) يضمن الرخاء للمجتمعات الأوروبية، ويضمن الكثير من الاستقرار من خلال التضامن، ووحدة المصير.
هذا المسار جعل من أوروبا قوة عسكرية واقتصادية ومنطقة استقرار عالمي، في حين اختار المحور الذي تنتمي إليه الجزائر (طهران-كاراكاس-كوريا الشمالية- كوبا- سوريا) تبديد المليارات في تمويل الميليشيات وزعزعة استقرار الدول المستقرة، مثلما تفعل الجزائر في دعمها للانفصال في المغرب ومالي، وعلاقاتها مع الحركات المسلحة في دول الساحل والصحراء، وكذلك فعلت إيران بتمويل جماعات مسلحة في سوريا والعراق واليمن ولبنان وجعلت من هذه الدول عبارة عن خراب اقتصادي وساهمت في تفكيك هويتها الوطنية وخلق الانقسامات داخل الدولة الواحدة.
وهذا الانغلاق الذي جعل من إيران دولة “مارقة” بعقلية دينية متشددة حد التطرف، هو نفسه ما جعل الجزائر بنظامها العسكري المتحجر يعيش عزلة دولية متزايدة، حيث يُنظر للجزائر اليوم كدولة “معطلة” للتنمية في شمال إفريقيا، ومنطقة المتوسط، ترتهن كل ثرواتها الطبيعية لخدمة تحالفات مع أنظمة منبوذة عالميا أثبتت التجارب أنها لا تنتج سوى والفوضى.
وكل هذه العوامل جعلت الجزائر اليوم دولة خلقت فجوة سحيقة مع دول المنطقة، ودول الخليج تحديدا، خصوصا في الحرب الحالية التي وضعت النظام الحاكم في الجزائر ضمن زاوية صعبة، حيث لم يستطع إدانة الاعتداءات العسكرية الإيرانية من صواريخ وطائرات مسيرة تضرب يوميا مدن الدول العربية، واكتفى بالحديث عن “الأوضاع الراهنة بمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي” في بلاغاته الرسمية.
وبعيدا عن الخطاب السياسي الهش، والواقع الدبلوماسي للنظام الجزائري في التباين الصارخ، تبرز تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون الذي أكد مرارا أن “أمن واستقرار دول الخليج العربي من أمن الجزائر وأن ما يمسهم يمسنا”، كانت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة تستهدف المنشآت الحيوية والمدنية في السعودية والإمارات والكويت والبحرين خلال الأيام الأخيرة، في حين جاءت بيانات وزارة الخارجية الجزائرية متسمة ببرودة دبلوماسية واضحة، حيث اكتفت بعبارات التنديد العامة دون توجيه اتهام صريح أو إدانة مباشرة للنظام الإيراني المسؤول عن هذه الاعتداءات.
هذا الإحجام عن تسمية الأشياء بمسمياتها يعكس ارتهان القرار الجزائري لعلاقة عضوية مع طهران تقوم على وحدة الرؤية تجاه المحيط الإقليمي، حيث تغلبت التحالفات الأيديولوجية ضمن “محور الفوضى” على التزامات التضامن العربي المفترضة، وهو ما وضع الجزائر في موضع “المتفرج المتردد” الذي يطلق وعودا أمنية في القمم والمحافل، بينما يمتنع عن اتخاذ موقف ديبلوماسية واضحة وقت الشدة.
ومما لا شك فيه، أن العلاقات الجزائرية الخليجية ستتجه نحو مرحلة من “الجمود الاستراتيجي” وإعادة التقييم الشامل، حيث لم تعد دول الخليج العربي تقبل بالازدواجية في المواقف أو “الحياد السلبي” الذي تتبناه الجزائر تجاه الاعتداءات الإيرانية؛ والمستقبل لن يكون لـ “دبلوماسية المجاملة”، لأن التاريخ أثبت أن المراهنة على محاور الفوضى تنتهي دائما بالإفلاس الاقتصادي والعزلة الدولية، وهو المسار الذي يبدو أن النظام الجزائري قد اختاره.



