مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة في إقليم بوجدور، تتجه الأنظار إلى ملامح معركة انتخابية تبدو في ظاهرها هادئة، لكنها في عمقها تحمل مؤشرات تنافس سياسي حقيقي قد يعيد رسم التوازنات المحلية. فالمشهد الانتخابي، وفق المعطيات المتداولة في الأوساط السياسية بالإقليم، يوحي بأن المقعد الأول يسير في اتجاه شبه محسوم لصالح أبا عبد العزيز، مرشح حزب الاستقلال، الذي استطاع خلال السنوات الماضية ترسيخ حضور سياسي وانتخابي واضح، مدعوم بقاعدة ناخبة مستقرة وشبكات اجتماعية تقليدية تمنحه أفضلية نسبية مقارنة ببقية المنافسين.
هذه الأفضلية لا ترتبط فقط بالانتماء الحزبي، بل أيضا بتراكم تجربة سياسية محلية جعلت اسمه حاضرا بقوة في الخريطة الانتخابية لبوجدور، حيث يميل جزء مهم من الناخبين إلى التصويت القائم على الثقة والعلاقات المتجذرة أكثر من التصويت الظرفي المرتبط بالحملات الانتخابية.
غير أن الهدوء النسبي الذي يحيط بالمقعد الأول يقابله احتدام واضح حول المقعد الثاني، الذي يبدو مفتوحا على منافسة متقاربة بين سيدي ابراهيم خيا، مرشح التجمع الوطني للأحرار، وعبدالله ادبدا، مرشح حزب الأصالة والمعاصرة.
هذا الصراع لا يمكن قراءته فقط باعتباره تنافسا بين شخصين، وإنما هو في العمق تعبير عن صراع نفوذ سياسي بين قوتين حزبـيتين تحاولان تثبيت موطئ قدم أقوى داخل الإقليم.
فمرشح الأحرار يدخل السباق مستندا إلى دينامية الحزب الذي يقود الحكومة حاليا، وهي وضعية تمنحه حضورا تنظيميا وامتدادا سياسيا قد يترجم انتخابيا إذا ما نجح في تعبئة قواعده واستقطاب أصوات جديدة.
في المقابل، يخوض عبدالله ادبدا المعركة بدافع سياسي واضح يتمثل في استعادة المقعد الذي فقده خلال الانتخابات الماضية، وهو ما يجعله يعتمد على رصيد انتخابي سابق وشبكة علاقات محلية يسعى إلى إعادة تنشيطها بهدف قلب موازين المنافسة.
وتشير القراءة الأولية للمشهد الانتخابي في بوجدور إلى أن الفارق بين المرشحين على المقعد الثاني قد لا يكون كبيرا، ما يجعل تفاصيل الحملة الانتخابية والتحالفات المحلية عنصرا حاسما في تحديد النتيجة النهائية.
فالإقليم، مثل كثير من مناطق الجنوب، تحكمه توازنات اجتماعية وقبلية معقدة، وغالبا ما تلعب هذه العوامل دورا مؤثرا في توجيه الكتلة الناخبة، خصوصا عندما يكون التنافس متقاربا.
كما أن نسبة المشاركة الانتخابية قد تشكل بدورها عاملا مفصليًا؛ إذ إن ارتفاعها قد يفتح المجال أمام مفاجآت انتخابية، بينما تميل نسب المشاركة المنخفضة عادة إلى ترجيح كفة المرشحين الذين يمتلكون قواعد تصويت ثابتة ومنظمة.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الانتخابات التشريعية المقبلة في بوجدور ستدور في إطار معادلة سياسية واضحة المعالم: مقعد أول تميل كفته إلى الاستقرار بفعل الثقل الانتخابي لأبا عبد العزيز، ومقعد ثان مفتوح على صراع محتدم بين خيا وادبدا، صراع قد تحسمه في النهاية قدرة كل طرف على تعبئة أنصاره، وبناء تحالفات محلية فعالة، واستثمار اللحظة السياسية لصالحه.
وبين الاستقرار النسبي في موقع، والمنافسة الحادة في موقع آخر، يتشكل مشهد انتخابي يعكس في جوهره طبيعة السياسة المحلية في الإقليم، حيث تتقاطع الاعتبارات الحزبية مع العلاقات الاجتماعية والرهانات الشخصية في صياغة النتائج النهائية لصناديق الاقتراع.



