لم يكن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش مجرد مناسبة للاحتفاء بما تحقق خلال السنوات الماضية، فلقد جاء في صيغة وثيقة سياسية واستراتيجية ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد أولويات الدولة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. فقد قدم جلالة الملك خطابا اتسم بالوضوح والواقعية، وجمع بين تقييم المنجزات واستشراف المستقبل، مع التأكيد على أن مسار التنمية في المغرب يقوم على رؤية بعيدة المدى تتجاوز الإيقاع الحكومي والانتخابي.
منذ بدايته، حمل الخطاب رسالة ذات بعد أخلاقي وسياسي، حين أكد جلالة الملك أن تحمل مسؤولية قيادة البلاد هو أمانة قبل أن يكون سلطة، وأن الهدف لم يكن يوما البحث عن مجد شخصي أو مكانة دولية، وإنما خدمة المواطنين وتمكينهم من شروط العيش الكريم.
ويعكس هذا المدخل فلسفة الحكم التي تربط الشرعية بالإنجاز والاستمرارية وخدمة الصالح العام.
ومن أبرز ما ميز الخطاب تأكيده على أن الاستقرار السياسي والمؤسساتي يمثل الرأسمال الحقيقي للمغرب، ففي عالم يشهد أزمات متلاحقة وتوترات جيوسياسية واضطرابات اقتصادية، اعتبر جلالة الملك أن الأمن والاستقرار يشكلان الأساس الذي تبنى عليه كل السياسات التنموية، وأن فعالية المؤسسات وقدرتها على تدبير الأزمات أصبحت من أهم عناصر قوة الدولة الحديثة.
اقتصاديا، حمل الخطاب مؤشرات تعكس تحولا نوعيا في النموذج الاقتصادي المغربي؛ فقد أبرز أن المملكة لم تعد تعتمد فقط على القطاعات التقليدية، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها التصنيع والابتكار والتكنولوجيا.
ويظهر ذلك من خلال التطور الكبير الذي عرفته صناعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، إضافة إلى إطلاق مشاريع مرتبطة بصناعة البطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر، وهي قطاعات تمثل مستقبل الاقتصاد العالمي.
كما توقف الخطاب عند الأرقام التي تعكس هذا التحول، سواء من خلال تحقيق معدل نمو يناهز خمسة في المائة، أو تصدر المغرب قائمة الدول الإفريقية المصدرة للسيارات، أو ارتفاع مساهمة الصناعات الحديثة في الصادرات الوطنية. وهي مؤشرات لا تقدم فقط حصيلة اقتصادية، بل تعكس توجها استراتيجيا يرمي إلى جعل المغرب منصة صناعية واستثمارية ذات بعد إقليمي ودولي.
وفي السياق نفسه، برز مفهوم السيادة كأحد المفاهيم المحورية في الخطاب. ولم يقتصر هذا المفهوم على السيادة السياسية، حيث امتد ليشمل السيادة الصناعية والطاقية والغذائية والدوائية والرقمية، في انسجام مع التحولات التي يعرفها العالم بعد جائحة كورونا وتصاعد النزعات الحمائية وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية. ويؤكد هذا التوجه أن المغرب يسعى إلى تعزيز استقلاليته الاقتصادية مع الحفاظ على انفتاحه على الشراكات الدولية.
ورغم الحضور القوي للبعد الاقتصادي، لم يغفل الخطاب الجانب الاجتماعي، حيث جدد التأكيد على مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، وتعزيز برامج التنمية البشرية، وتحقيق العدالة المجالية، مع التشديد على ضرورة أن تشمل ثمار التنمية مختلف الجهات والأقاليم دون استثناء. ويعكس ذلك قناعة بأن النمو الاقتصادي لا يكتمل إلا إذا انعكس إيجابا على تحسين مستوى عيش المواطنين.
ومن الرسائل اللافتة أيضا، الدعوة الصريحة إلى انخراط القطاع المالي بشكل أكبر في تمويل الاستثمار الوطني، وتوسيع ولوج المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل، بما يسمح بتسريع وتيرة التصنيع والابتكار وخلق فرص الشغل؛ وهي رسالة تؤكد أن الدولة ترى في القطاع الخاص والمؤسسات المالية شريكا أساسيا في إنجاح المرحلة المقبلة.
أما على مستوى السياسة الخارجية، فقد أكد الخطاب المكانة التي أصبح يحتلها المغرب كشريك موثوق وفاعل اقتصادي يحظى بالاحترام على الساحة الدولية، مع التشديد على مواصلة نهج تنويع الشراكات وبناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. ويعكس هذا التوجه تطورا في الدبلوماسية المغربية التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على القوة الاقتصادية إلى جانب الحضور السياسي.
سياسيا، حمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن المشاريع الكبرى للدولة لا ترتبط بعمر الحكومات، وإنما تقوم على التراكم والاستمرارية.
ومن هذا المنطلق، جاء الحديث عن الانتخابات التشريعية المقبلة باعتبارها محطة لفتح دورة جديدة من الإصلاحات، هدفها تحصين المكتسبات وتسريع وتيرة الإنجاز، وليس الانطلاق من نقطة الصفر.
في المجمل، يعكس الخطاب الملكي رؤية استراتيجية متكاملة لمغرب المستقبل، قوامها دولة قوية بمؤسساتها، واقتصاد تنافسي قائم على الصناعة والابتكار، وتنمية اجتماعية أكثر شمولا، وسيادة وطنية تتعزز بالقدرة على الإنتاج والتكنولوجيا والانفتاح على الشراكات الدولية. ومن ثم، يمكن اعتبار هذا الخطاب خارطة طريق للمرحلة المقبلة، ورسالة تؤكد أن المغرب اختار مواصلة مساره التنموي بثقة، مستندا إلى الاستقرار، وإلى رؤية بعيدة المدى تراهن على الاستثمار في الإنسان والاقتصاد والمؤسسات.



