في واقعة غير مسبوقة في تاريخ الدبلوماسية الإفريقية، أقدمت الحكومة السنغالية الحالية على خطوة أثارت ذهول المراقبين برفضها الرسمي لدعم ترشيح الرئيس السابق ماكي سال لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة.
واعتبرت هذه الخطوة بمثابة خروج حاد عن التقاليد السياسية التي تقضي بأن الدولة هي السند الأول والأساسي لأبنائها في المحافل الدولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأرفع منصب دبلوماسي في العالم.
وأكدت داكار عدم تضامنها مع ملف ماكي سال مما يعكس في نظر بعض المراقبين محاولة القطيعة التامة مع الرئيس السابق للسينغال، مما أثار جدلا سياسيا تجاوز الحدود الجغرافية للسنغال ليصل إلى أروقة الاتحاد الإفريقي ومنظمة الأمم المتحدة بنيويورك.
وتتعدد الأسباب التي دفعت السلطات السنغالية الحالية لاتخاذ هذا الموقف الراديكالي، ويأتي على رأسها الصراع الداخلي المحتدم حول الإرث السياسي والاقتصادي لفترة حكم ماكي سال. فالحكومة الجديدة، التي يمثلها الرئيس بشيرو جوماي فاي ووزيره الأول عثمان سونكو، ترى أن دعم سال دوليا يتناقض مع ملفات المحاسبة المفتوحة داخليا، والمتعلقة باتهامات بسوء الإدارة المالية ووجود ديون مخفية بمليارات الدولارات، وفق بعش القراءات.
بالإضافة إلى ذلك، تلعب الذاكرة الحقوقية دورا حاسما، حيث تعتبر السلطة الحالية أن تزكية سال لمنصب أممي يمثل إهانة لضحايا الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد بين عامي 2021 و2024، مؤكدة أن الأولوية هي للعدالة الانتقالية، وليس للتلميع الدبلوماسي لشخصيات تلاحقها انتقادات داخلية لاذعة.
ولم يقتصر أثر هذا الرفض على المستوى الثنائي، بل تسبب في إرباك الحسابات الإفريقية داخل الاتحاد الإفريقي. فقد اضطر ماكي سال للبحث عن مظلة بديلة عبر دولة بوروندي لتقديم ملفه، وهو ما اعتبرته السنغال محاولة للالتفاف على السيادة الوطنية والقنوات الشرعية.
هذا الانقسام أدى إلى غياب “الإجماع الإفريقي” المطلوب في جلسة 27 مارس الجاري، حيث تحفظت أكثر من عشرين دولة إفريقية على ترشيح شخص لا يحظى بمباركة وطنه الأم. هذا الوضع وضع القارة السمراء في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، حيث بدا الطموح الإفريقي في قيادة المنظمة الأممية مجزءا وضحية للصراعات الحزبية الضيقة، مما أضعف فرص القارة في استعادة هذا المنصب التاريخي.
وتعد هذه الواقعة “سابقة” بكل المقاييس، لأنها تكرس مبدأ أن المنصب الدولي لم يعد حصانة تلقائية للرؤساء السابقين من المساءلة أو الرفض في بلدانهم. وما حدث مع ماكي سال يوجه رسالة قوية للقادة الحاليين في القارة بأن الدعم الدبلوماسي لما بعد الرئاسة مرهون بالسلوك السياسي والحقوقي أثناء فترة الحكم، وفق القراءات التي خرجت بعد هذا القرار.
وعلى الصعيد الدولي، وضع هذا الخلاف الأمم المتحدة في حيرة قانونية وبروتوكولية، إذ يصعب على أي مرشح نيل ثقة مجلس الأمن والجمعية العامة وهو يفتقر لأبسط ركائز الترشيح وهي “الظهير الوطني”.



