من اعتراف سابق بالبوليساريو إلى الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء.. كولومبيا تطوي إرث غوستافو بيترو وتفتح صفحة جديدة مع الرباط

شطاري خاص8 أغسطس 2026
من اعتراف سابق بالبوليساريو إلى الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء.. كولومبيا تطوي إرث غوستافو بيترو وتفتح صفحة جديدة مع الرباط

أعلنت كولومبيا، في تحول دبلوماسي بالغ الدلالة، اعترافها بسيادة المملكة المغربية على الصحراء، واضعة بذلك حدا لموقف تبنته حكومة الرئيس السابق غوستافو بيترو، ومعلنة انخراط بوغوتا في مسار جديد يقوم على تعزيز العلاقات مع الرباط ودعم المقاربة المغربية لتسوية النزاع.

وجاء الإعلان خلال اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية عمر بولا إسكوبار، في أعقاب تنصيب الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييّا أمس الجمعة، في خطوة تتجاوز دلالاتها الإطار الثنائي، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها كولومبيا داخل المشهد السياسي لأمريكا الجنوبية وإلى تاريخ مواقفها من قضية الصحراء.

ويكتسب الاعتراف أهميته أساسا من هوية الدولة التي صدر عنها وتوقيته السياسي وخلفيته الإقليمية، إذ إن كولومبيا ليست دولة هامشية في أمريكا اللاتينية، بل إحدى القوى المؤثرة في فضائها السياسي، كما أن موقفها من قضية الصحراء ظل، على مدى عقود، مرتبطا بالتحولات الأيديولوجية التي عرفتها القارة، وهو ما يجعل انتقالها اليوم من موقف داعم للبوليساريو إلى الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء مؤشرا سياسيا لافتا على التحولات التي تعرفها المنطقة، وعلى تراجع حضور المقاربات اليسارية الراديكالية التي شكلت، خلال مراحل سابقة، إحدى أهم البيئات السياسية الحاضنة للطرح الانفصالي.

وقال وزير العلاقات الخارجية الكولومبي عمر بولا إسكوبار، بهذه المناسبة، إن بلاده “تعترف بسيادة المغرب على صحرائه”، في موقف أنهى عمليا المرحلة التي أعادت خلالها حكومة بيترو العلاقات مع جبهة البوليساريو الانفصالية، أما نائب الرئيس خوسيه مانويل ريستريبو، فقدم الخطوة باعتبارها “بداية جديدة” للعلاقات بين كولومبيا والمغرب، مؤكدا أن المملكة تمثل “حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا”، ومبديا رغبة بلاده في بناء شراكة استراتيجية مع الرباط.

ومن الجانب المغربي، وصف ناصر بوريطة القرار بأنه “تاريخي”، معتبرا أن سحب الاعتراف بالكيان الانفصالي والاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء من شأنه أن يمنح العلاقات الثنائية “دفعة قوية”، حيث لم يكتفِ رئيس الدبلوماسية المغربية بالبعد السياسي للقرار، بل ربطه بإمكانات اقتصادية وجيوسياسية أوسع، عندما أكد أن المغرب وكولومبيا قادران على التحول إلى منصتين اقتصاديتين متبادلتين، مستفيدين من الموقع الاستراتيجي لكل منهما في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وهنا تحديدا تتجاوز أهمية الإعلان حدود البيان الدبلوماسي، فالمغرب لا يحصل، من خلال الموقف الكولومبي الجديد، على اعتراف إضافي بسيادته على الصحراء فحسب، وإنما يحقق اختراقا داخل دولة كانت في السنوات الأخيرة من أبرز الأصوات اللاتينية المدافعة عن الطرح الانفصالي، حيث أن هذا التحول يمنح الرباط ورقة سياسية قوية في منطقة ظل حضور البوليساريو فيها لعقود مرتبطا بإرث الحرب الباردة، وبانتشار خطاب حركات التحرر الوطني، وبالدعم الذي وفرته له حكومات يسارية متعاقبة.

واللافت أن كولومبيا نفسها تختزل تاريخ هذا التحول، إذ كان اعتراف بوغوتا بما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” يعود إلى سنة 1985، قبل أن تقرر الحكومة الكولومبية في عهد الرئيس أندريس باسترانا تجميد هذا الاعتراف سنة 2001.

وبعد أكثر من عقدين، أعادت حكومة غوستافو بيترو إحياء هذا الموقف في غشت 2022، في إطار التحول الذي شهدته السياسة الخارجية الكولومبية بعد وصول اليسار إلى السلطة، وبالتالي، فإن القرار الحالي لا يمثل مجرد تغيير في موقف حكومة واحدة، وإنما يعكس دورة كاملة من التحولات السياسية التي مرت بها كولومبيا منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وكان وصول غوستافو بيترو إلى الرئاسة قد أعاد قضية الصحراء إلى واجهة العلاقات المغربية الكولومبية، فالرئيس اليساري السابق تبنى خطابا أكثر قربا من مواقف البوليساريو، وانسجم في هذا الملف مع مجموعة من الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية التي ظلت تنظر إلى القضية من زاوية حركات التحرر وتقرير المصير، في مقابل المقاربة المغربية القائمة على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

ولم يكن موقف بيترو معزولا عن سياقه الإقليمي، بعدما شهدت أمريكا اللاتينية، خلال العقدين الماضيين، صعود موجة سياسية يسارية قوية، عُرفت في أدبيات المنطقة باسم “الموجة الوردية”، وأنتجت حكومات تبنت في ملفات السياسة الخارجية مواقف أقرب إلى خطاب الجنوب العالمي، وإلى قضايا التحرر الوطني ومناهضة النفوذ الغربي، وفي هذا المناخ وجدت البوليساريو مساحة سياسية مهمة للتحرك داخل القارة، مستفيدة من إرث علاقاتها القديمة مع عدد من الحكومات والأحزاب اليسارية.

غير أن المعادلة السياسية في أمريكا اللاتينية تغيرت بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة حيث تعرضت الموجة اليسارية الراديكالية لانتكاسات انتخابية، وبرزت قوى محافظة ويمينية جديدة، فيما أصبحت حسابات المصالح الاقتصادية والأمنية والعلاقات مع الولايات المتحدة أكثر حضورا في صناعة القرار الخارجي لدى عدد من العواصم، حيث تندرج عودة كولومبيا إلى المعسكر المؤيد للمغرب في هذا السياق الأوسع، وإن كان من غير الدقيق اختزال القرار في العامل الأيديولوجي وحده.

فالرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييّا يصل إلى السلطة من خلفية سياسية مختلفة جذريا عن خلفية بيترو، في ظل توجه معلن نحو إعادة ترتيب علاقات كولومبيا مع شركائها التقليديين وتعزيز التعاون مع الولايات المتحدة، وقد وصفت الصحافة الإسبانية وصوله إلى الرئاسة بأنه يمثل تحولا يمينيا حادا في السياسة الكولومبية، في وقت أبدت فيه واشنطن دعما واضحا للإدارة الجديدة..

ومن هذه الزاوية، يبدو الموقف من الصحراء جزءا من إعادة صياغة أوسع لأولويات السياسة الخارجية الكولومبية، فالمسألة لم تعد بالنسبة إلى بوغوتا مجرد قضية موروثة من صراعات الحرب الباردة، وإنما أصبحت مرتبطة بحسابات الشراكات الدولية، والاستقرار الإقليمي، والمصالح الاقتصادية، والانفتاح على إفريقيا، والعلاقة مع القوى الغربية.

فمقترح الحكم الذاتي المغربي لم يعد يطرح فقط باعتباره أحد الخيارات المطروحة، بل أصبح، في عدد متزايد من العواصم، إطارا عمليا وواقعيا للحل السياسي، وقد تعزز هذا الاتجاه داخل مجلس الأمن مع القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي جدد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، وفي الوقت نفسه جعل المفاوضات السياسية تقوم على أساس حل سياسي واقعي ومتوافق عليه، مع إبراز مقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس للمفاوضات.

وفي أمريكا اللاتينية، يأتي الموقف الكولومبي ضمن مسار أوسع عرف خلال السنوات الماضية تحولات متتالية في مواقف عدد من الدول تجاه النزاع، بعدما اتجهت عواصم مثل بنما وكوستاريكا والإكوادور والدومينيكان وغيرها نحو مواقف أكثر قربا من المقاربة المغربية، فيما سجلت دول أخرى مواقف داعمة لمقترح الحكم الذاتي أو للوحدة الترابية للمملكة، ومع كل تحول من هذا النوع، تضيق تدريجيا المساحة السياسية التي كانت تتحرك فيها البوليساريو داخل القارة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل