سعيد زريبيع:
لا تزال عبارة الأستاذ أحمد الشرعي “كلنا إسرائيليون” تثير الكثير من الجدل، وربما كان المقصود منها منذ البداية أن تثير هذا النوع من الأسئلة التي نتجنبها عادة في نقاشاتنا السياسية؛ ولا أعتقد أن المشكلة في العبارة وحدها، وإنما في ما تضعه أمامنا من سؤال أكثر عمقا:
هل يستطيع المغربي أن ينظر إلى العالم انطلاقا من مصلحة بلده، أم أنه مطالب دائما بأن يتبنى مواقف الآخرين حتى يصبح مقبولا في محيطه؟
قد يختلف المرء مع طريقة الشرعي في التعبير، وقد يرى أن العبارة مستفزة أو قابلة لسوء الفهم، وهذا حق طبيعي، لكن الاختلاف مع صياغة موقف ما لا ينبغي أن يمنعنا من مناقشة الفكرة التي تقف وراءه؛ وهذه الفكرة -في جوهرها- هي أن المغرب ليس ملزما بأن يجعل سياسته الخارجية انعكاسا لمواقف الآخرين، وأن من حقه أن يبحث عن مصالحه حيث يراها، وأن يبني علاقاته وفق حساباته الخاصة.
هذه ليست دعوة إلى التخلي عن الفلسطينيين، ولا إلى تجاهل ما يعانيه المدنيون في غزة أو في غيرها، ولا تحتاج الإنسانية إلى أن تكون ضد المغرب حتى تكون مع فلسطين؛ يمكن للمغربي أن يتعاطف مع الفلسطيني، وأن يرفض قتل المدنيين، وأن يتمنى نهاية الحرب وإقامة سلام عادل، وفي الوقت نفسه أن يؤمن بأن المغرب يجب أن يتصرف في علاقاته الدولية وفق مصالحه الوطنية.. لا يوجد تناقض حتمي بين الأمرين.
المشكلة عندنا أن النقاش حول فلسطين وإسرائيل سرعان ما يتحول إلى امتحان للولاء، فمن يختلف مع موقف معين يتهم بالتفريط، ومن يرفض الانخراط في خطاب الغضب ينظر إليه وكأنه خرج من الإجماع أو الملة بتعبير أدق، والحال أن الدول لا تبني سياستها الخارجية بالإجماع العاطفي، وإنما بما تراه مناسبا لأمنها ومصالحها وموقعها في العالم.
والمغرب، تحديدا، لديه ما يكفي من التجربة التي تجعله أكثر حذرا في التعامل مع العلاقات الدولية. فليس كل من جمعنا به الدين أو اللغة أو التاريخ وقف معنا دائما عندما تعارضت المصالح، وليس كل من اختلف معنا في قضية ما كان بالضرورة عدوا لنا..
هذه حقيقة يعرفها من يتابع تاريخ المنطقة، حيث كثيرا ما غلبت حسابات الدول ومصالحها الخاصة كل الكلام عن الأخوة والتضامن.
ولذلك فإن الدفاع عن المصلحة المغربية ليس بالضرورة موقفا ضد العرب ولا ضد المسلمين؛ بالعكس، يمكن للمغرب أن يحافظ على علاقاته العربية والإسلامية، وأن يبقى جزءا من محيطه، وأن يدافع عن القضايا التي يؤمن بها، وفي الوقت نفسه أن ينسج علاقات مع دول أخرى إذا رأى في ذلك فائدة له.
فالسياسة الخارجية لا تعتبر بابا له مفتاح واحد، والعالم لا ينقسم دائما إلى أصدقاء مطلقين وأعداء مطلقين.
العلاقة مع إسرائيل نفسها يمكن أن تناقش بعيدا عن العاطفة المتباينة والمترددة. يمكن أن نختلف حولها، ويمكن أن نناقش حدودها ونتائجها وانعكاساتها، لكن من غير المفيد أن نحولها إلى قضية تقيس وطنية المغاربة؛ فالمغرب دولة ذات سيادة، ومن حقها أن تقيم علاقاتها وفق تقديرها لمصالحها، ومن حق المواطن أيضا أن ينتقد هذه السياسة أو يؤيدها، شرط ألا يتحول الخلاف إلى تخوين.
وهنا تحديدا تبدو عبارة “كلنا الوطن” تتماهى و “كلنا إسرائيليون” وكلنا أي صفة أو موطن ينتصر لوطننا، لأن الوطن هو النقطة التي يجب أن يعود إليها كل نقاش. وعندما تتعدد المواقف وتختلف الآراء، نتساءل:
ماذا نريد للمغرب؟ كيف نحمي مصالحه؟ كيف نقوي اقتصاده؟ كيف نعزز أمنه؟ كيف ندافع عن قضاياه الوطنية؟ وكيف نضمن أن تكون له علاقات متعددة تمنحه مساحة أكبر للتحرك، بدل أن يبقى رهينة لمحور واحد أو موقف واحد؟
ولا ينتظر المغرب من الآخرين أن يحددوا له اتجاهه..
له تاريخ طويل وموقع استراتيجي، وامتداد إفريقي، وعلاقات متوسطية، وصلات عربية وإسلامية، ومصالح اقتصادية وسياسية مع قوى مختلفة؛ وهذه العناصر كلها تفرض عليه أن يكون حرا في اختيار علاقاته، وأن ينظر إلى العالم بعين مغربية قبل أن ينظر إليه بعين الآخرين.
ومن حق المغرب أيضا أن يتعلم من تجاربه؛ فقد عرف، مثل غيره، أن الخطاب الجميل لا يكفي لبناء علاقات مستقرة، وأن الكلمات التي تقال في أوقات الهدوء قد تختفي عندما تظهر المصالح الحقيقية، لذلك لا ينبغي أن نخجل من الحديث عن المصلحة الوطنية، فالدول الأخرى تفعل ذلك من دون تردد، فلماذا يطلب من المغرب أن يكون الاستثناء؟
إننا لا نحتاج إلى كراهية الآخرين حتى نحب المغرب. ولا نحتاج إلى إدارة ظهورنا للفلسطينيين حتى نضع بلدنا في المقدمة، ولا نحتاج إلى قطع الجسور مع العالم العربي حتى نطور علاقاتنا مع إسرائيل أو أوروبا أو الولايات المتحدة أو إفريقيا أو غيرها، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح التضامن مع قضية خارجية أقوى من إحساسنا بمصالح بلدنا.. عندها نفقد القدرة على رؤية الأمور من موقعنا الخاص، ونبدأ في تكرار مواقف الآخرين وكأنها مواقفنا.
ليس المطلوب أن نتخلى عن مبادئنا، وإنما أن نعرف أن لدينا أيضا دولة ومصالح واعتبارات لا يمكن أن تختفي كلما اندلعت أزمة في مكان آخر.
ولهذا فإن “الشرعي”، حتى لو اختلف مع عبارته، يستحق أن يناقش لا أن يدان لمجرد أنه قال شيئا لا ينسجم مع المزاج السائد.
فالصحافة والرأي العام لا يتقدمان عندما يتحول كل رأي صادم إلى تهمة، وإنما عندما تكون لدينا القدرة على مناقشة الفكرة والرد عليها بالحجة، وقبل كل ذلك قراءتها بعمق.
قد تكون عبارة “كلنا إسرائيليون” قاسية، وقد يرفضها كثيرون، لكنها تحمل أسئلة مشروعة:
لماذا لا نضع المغرب أولا في حساباتنا؟
لماذا ينظر إلى البحث عن مصلحة المغرب وكأنه تنازل عن القضايا العربية والإسلامية؟
ولماذا لا نقبل ببساطة أن للدولة المغربية حساباتها الخاصة، كما لكل دولة أخرى حساباتها؟
لقد حان الوقت للخروج من فكرة أن الوطنية تعني الاتفاق في كل شيء، لأن الوطنية لا تعني أن نفكر بالطريقة نفسها، بقدر ماهي أن نختلف ونحن ندرك أن هناك وطنا يجمعنا. ي
مكن أن تختلف مع الشرعي، ويمكن أن تنتقده، ويمكن أن ترى أن عبارته غير موفقة، لكن لا يجوز أن تتحول هذه الخلافات إلى اتهامات مجانية في الوطنية.
فالمغرب يحتاج إلى نقاش أكثر هدوءا وأقل انفعالا حول علاقاته الخارجية.
يحتاج إلى أن نسأل عن النتائج وعن المصالح بعيدا عن الشعارات و المزايدات، وعن ما ينفع البلاد لا عما يرضي الآخرين.
والأهم أن ندرك أن المغرب لا يمكنه أن يكون تابعا لأحد؛ لا للشرق ولا للغرب، لا لمحور ولا لمعسكر، فقوته تكمن في أن يظل صاحب قرار، وأن يعرف متى يقترب، ومتى يختلف، ومتى يفاوض، ومتى يرفض…
هذه هي السيادة في معناها الحقيقي.



