وصية لأجل الملك..

وصية لأجل الملك..

شطاري "خاص"25 أغسطس 2016آخر تحديث : الخميس 25 أغسطس 2016 - 9:52 مساءً
 عدنان حسين أحمد:
يرتبط اسم المخرج الألماني توم تايكوير بعدة أفلام مهمة نذكر منها “اركضي يا لولا” 1998، “الجنَّة” 2002، “عطر: قصة قاتل” 2006،”سحابة الأطلسي” 2012 وهي في مجملها أفلام لا تخرج عن إطار الحُب والإثارة والتشويق والجريمة، وقد نال عن بعضها جائزة أفضل مخرج في مهرجان الفيلم البافاري. تُرى، ما الذي دفعهُ لإنجاز فيلم كوميدي- درامي تدور غالبية أحداثه في المملكة العربية السعودية؟ هل أغرتهُ الصحراء، أم سحرتهُ النهضة العمرانية في جزيرة العرب، أم وقع أسيرًا لفكرة “التنميط والقولبة” التي اشتغلت عليها هوليوود طوال قرنٍ من الزمان وقدّمت صورة سلبية عن الشخصية العربية المسلمة التي تقترن بالإرهاب أو تنغمس في ملذاتها الحسيّة الجامحة؟
لم يعوِّل المخرج توم تايكوير في كتابة قصته السينمائية على مخيلته المجنّحة وإنما اعتمد على رواية ديف إيغرز التي تحمل عنوان “وصية لأجل الملك” وهي رواية متقنة من حيث الشكل بدليل وصولها إلى القائمة النهائية لجائزة الكتاب الوطني في نيويورك لكن مضمونها ليس بريئًا لأنه يقع في إطار التنميط  Stereotyping المُشار إليه سلفا. وبغية تأكيد صحة ما نذهب إليه لابد أن نعرّج على الثيمة الرئيسة وبعض الثيمات الثانوية التي تكشفت على مدار الفيلم الذي بلغت مدته 97 دقيقة.
يمكن اختصار الثيمة الرئيسة لهذا الفيلم بشخصية “ألين كلاي”، مندوب المبيعات في شركة “راليّند” الذي وجد نفسه على حافة الإفلاس إثر الركود الاقتصادي الذي عانت منه أميركا عام 2008 حيث باع منزله، وطلّق زوجته، ولم يعد قادرًا على تسديد الفاتورة الجامعية لابنته الوحيدة “كيت” التي رأيناها في مشهد قصير وهي تعمل في مطعم للوجبات السريعة.
تشير قصة الفيلم من طرف خفي إلى اندحار الحلم الأميركي بتجميع الثروة وتحقيق العيش الرغيد. فالمستشار ألين كلاي “توم هانكس” يغادر أميركا إلى المملكة العربية السعودية علّه يحصل على مناقصة لبيع نظام تقني، ثلاثي الأبعاد، لعقد المؤتمرات عن بُعد. فهل ينجح في هذه المهمة التي أسندتها الشركة إليه خصوصًا وهو يعرف ابن شقيق الملك الذي قد يسهِّل إجراءات الصفقة والفوز بها في خاتمة المطاف.
رغم أن الفيلم في جانب كبير منه ينبني على فكرة الانتظار التي تذكِّرنا بمسرحية “في انتظار غودو” لصموئيل بيكيت التي تتمحور على أربع جمل رئيسية مفادها: “لا شيء يحدث، لا أحد يأتي، لا أحد يذهب، إنه لأمر فظيع”. إلاّ الملك في هذا الفيلم يأتي بعد انتظار طويل لكنه يمنح المناقصة إلى مُنافس صيني قدّم عرضه بتقنية أسرع وبنصف الثمن فحصل على الصفقة بامتياز. وعلى الرغم من النتيجة المُحبِطة التي حصل عليها ألين كلاي إلاّ أن نهاية الفيلم لم تكن كذلك، فلقد حصل على عمل يدرّ عليه راتبًا جيدًا يؤهله لتسديد تكاليف الفصل الدراسي لابنته المُجِدّة “كيت” التي تمتلك القوة البدنية، والوقت الكافي، ويتمنى عليها أن تثق بنفسها، تمامًا، كما يثق هو بنفسه، خصوصًا بعد أن ارتبط بعلاقة عاطفية مع الطبيبة زهرة حكيم “ساريتا تشودري” التي استأصلت الورم السرطاني من ظهره، وجعلته يشعر بالقوة، ويثق بأن هناك متسعًا من الوقت أمامه.
لا يكمن “التنميط” في الثيمة الرئيسة وإنما في تشظياتها التي تتعلق بالشخصيات الأخرى وأولها سائقه يوسف “أليكساندر بلاك” الذي لم يقبل بصفة السائق الشخصي وإنما الدليل أو المرشد أو الصديق وهو الذي يقدح مختلف أنواع التنميط التي تتعلق بالإرهاب، والإعدامات العلنية، وتعدد الزوجات، والعلاقات العاطفية المحظورة، وانتهاك المحرّمات وما إلى ذلك من أفكار مُسبّقة تُنمِّط المواطن العربي المسلم وكأنها مسلَّمات لا تقبل الجدل.
لابد من الإشارة إلى أن فيلم “وصيّة لأجل الملك” هو من أفلام الطريق الذي يرينا جمال الطبيعة ومعطياتها الخلابة بين جدة، وكميت، وساحل البحر الأحمر، والمدينة الملكية للتجارة والاقتصاد، ومكة المكرمة وبعض القرى الجبلية النائية رغم أن الناقد المتابع يعرف سلفًا أن التصوير قد جرى في المغرب ومصر وألمانيا إضافة إلى المملكة العربية السعودية.
يبدأ التنميط من اللحظات التي تسبق هبوط الطائرة في مطار جدة حيث نسمع جميع المسافرين، باستثناء ألين كلاي، يردِّدون “تلبية الحج”. وحينما يأتي إليه يوسف في اليوم التالي لكي يوصله إلى مقر المناقصة تبدأ سلسلة أخرى من التنميطات التي تتعلق بالتفخيخ، فهو يفصل محرك سيارته خشية أن يفخخها أحد الأثرياء، وليس الإرهابيين في إشارة إلى علاقته العاطفية بفتاة أحبها لكنها أُجبرت على الزواج من رجل ثري لا تحبه لذلك ارتبطت بعلاقة “محرّمة” بيوسف الذي تكلِّمه بواسطة الهاتف النقّال وتتصل به عبر الرسائل النصية القصيرة. هذه الثيمة الفرعية سوف تتطور لاحقًا وتأخذ منحىً خاصًا بها لكنها لا تؤثر كثيرًا في النسق السردي للثيمة الرئيسة.
وحينما ينتبه ألين كلاي إلى أحد الجوامع المشهورة يُخبره يوسف بأن الإعدامات العلنية تجري أمام ساحة المسجد. ثم تتوالى التنميطات لتشمل تعدد الزوجات، ومنع المشروبات الروحية في الأماكن العامة واقتصارها على السفارات الأجنبية، وتحريم الخلوة بالنساء وغيرها من المحظورات التي نعرفها جميعًا في بلد مُحافظ مثل المملكة العربية السعودية.
يحتفي هذا الفيلم بأكثر من قصة حب وأولها بين ألين كلاي والطبيبة السعودية زهرة حكيم التي تستأصل له ورمًا حميدًا في ظهره ثم تقع في حُبه وتبوح له، هي الأخرى، بأنها على وشك الطلاق من زوجها رغم أن الإجراءات معقدة جدًا في هذا البلد مثلما هي معقدة في بلدان أخرى. تدعوه إلى ساحل البحر الأحمر وتسبح معه في مشاهد سينمائية مُبهرة أنقذت جانبًا من الفيلم الذي كان يلهث وراء الأفكار المسبّقة والمضامين المستهلَكة. وعندها فقط شعرنا بأن الفيلم يمضي في الاتجاه الصحيح وأن يقدّم لمتلقيه لقطات بصرية غاية في الجمال والإثارة، خصوصًا وأنها ارتدت لباسًا رجاليًا كي توحي للمتربصين من بعيد أنها رجل وليست امرأة. وفي أعماق البحر قبّلته غير مرة قبل أن يعودا إلى “الشاليه” ثانية ليسرد لها قصة ذهابه إلى البارك الوطني مع أسرته، وولوجهم إلى أعماق الغابة، ومبيتهم في كوخ صغير صنعوه بما تيسر من أخشاب وأغصان وحشائش.
تكشف شخصية يوسف جوانب متعددة من التنميط والقولبة وقد أشرنا إلى خشيته من الرجل الثري الذي بدأ يعرف بأن زوجته “جميلة” تتواصل مع يوسف وتبعث له رسائل نصية الأمر الذي يدفعه لتهديده أكثر من مرة. وحينما يشاهد يوسف ثلاثة رجال بالقرب من نافذة منزله يحسم أمره بالرحيل إلى قرية والده البعيدة التي لا يستطيع أحد تهديده فيها لما يمتلكونه من أسلحة كثيرة ورجال أشدّاء. يقرر ألين في لحظة غامضة الذهاب معه إلى هذه القرية النائية حيث يصور فيها الطبيعة والجِمال والناس البسطاء. ويقع في مأزق حينما يجيب مازحًا على سؤال أحدهم “بأنه يعمل بوقت جزئي للسي.آي.ايه”، وليس بوقت كامل” ورغم أن هذه المزحة تافهة وفي غير محلها إلا أنّ يوسفَ يحلّها ويقنع الشخص القروي بأن صديقه الأميركي يمزح وليس من المعقول أن يبوح رجل الاستخبارات بمهنته السرية لأول شخص يصادفه.
خلال فترة الانتظار الطويلة للزيارة المفاجئة للملك يحصل ألين على دعوة لحضور حفل ساهر في السفارة الدنماركية وحينما يذهب وينتشي تسحبه “هانا” إلى غرفة جانبية وتقبِّله غير مرة لكنه لا يذهب أبعد من حدود العِناق والقُبل الخاطفة ثم يقفل عائدًا إلى منزل كي يتواصل مع ابنته “كيت” ويعِدها بتأمين النقود التي تحتاجها للدراسة الجامعية.
لا يتمحور الفيلم على الصراع الثقافي أو الحضاري بين المجتمعين الأميركي والسعودي لأنّ التركيز منصبٌّ بالأساس على التنميط والقولبة مع سبق الترصّد والإصرار وكأنّ مخرج الفيلم يريد أن يسرد لنا من جديد قائمة المحظورات في حياة المجتمع السعودي، وأنه حتى المريض المُصاب بأزمة قلبية لا يستطيع أن يختلي بالطبيبة المختصة لأن الشيطان سوف يكون ثالثهما.
لابد أن يتساءل المتلقي الحصيف عن السبب الحقيقي الذي دفع الفنان توم هانكس، وهو الحائز على جائزة إيمي، وجائزتي أوسكار، وأربع جوائز غولدن غلوب، والحاضر في المشهد السينمائي الأميركي منذ عام 1980 وحتى الوقت الراهن، لأن يشترك في فيلم غير متوازن من الناحية الفكرية، ويحاول توسيع الهوّة بين المجتمعات والديانات السماوية المعروفة بدلاً من ردمها أو تضيّيقها على الأقل وهو الذي تألق في “فيلادلفيا”، “الساهر في سياتل”، “فورست غامب”،”شيفرة دافنشي”، “ملائكة وشياطين” وغيرها من الأفلام الروائية الراسخة في ذاكرة الجمهور.
وهذا التساؤل ينطبق على ساريتا تشودري، الفنانة البريطانية – الهندية التي تركت بصمة خاصة في السينما العالمية سواء “المسسيبي ماسالا”، “بيت الأرواح”، “كاما سوترا: قصة حب”، “تعلّم السياقة” وسواها من الأدوار التي تبرهن على براعتها في تجسيد الأدوار الإنسانية المعقدة التي لفتت الانتباه إلى موهبتها الفذّة.
لم يقتصر التألق الأدائي للممثلَين المُبدعين توم هانكس وساريتا تشودري اللذين تناصفا دور البطولة وتوهجا فيه وإنما يمتد إلى عدد آخر من الممثلين الأجانب والعرب وعلى رأسهم أليكساندر بلاك الذي بدا بالفعل مواطنًا سعوديًا لا يختلف كثيرًا عن عامة الناس. وكذلك الممثلة الدنماركية  سيدسه تيبيت كنودسن التي بدت جريئة وخفيفة الظل. أما أداء الممثلين العرب فقد كان مقنعًا ولا يقل براعة عن أقرانهم الأجانب مع الأخذ بعين الاعتبار أن أدوارهم ثانوية تؤثث النص، وتؤازر ثيمته الأساسية.
رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

شطاري "خاص"