نعم نؤيد أهل الرشيد.. نعم ندافع عنهم وسنظل..

شطاري خاص20 مايو 2026
نعم نؤيد أهل الرشيد.. نعم ندافع عنهم وسنظل..

كان التاريخ دائما يكتب نفسه عبر الرجال الذين يغامرون بأعمارهم من أجل فكرة تكبر بهم، ومن أجل أرض يشعرون أنهم جزء من روحها قبل أن يكونوا مجرد عابرين فوق ترابها.
ولهذا حين يذكر “أهل الرشيد” في العيون وفي الصحراء عموما، فان الحديث لا يتعلق بعائلة عابرة في سجل السياسة أو الاقتصاد، بقدر ما يتعلق الأمر بحضور طويل ترك أثره في الأرض والإنسان والذاكرة الجماعية.
إن المدن لا تنمو بالصدفة، ولا تتحول من فضاءات هامشية إلى مراكز نابضة بالحياة بمجرد الشعارات والخطب الموسمية. هناك دائما رجال يحملون عبء البدايات القاسية، ويقبلون الدخول في معارك التنمية حين كان الجميع يهرب من المخاطر؛ وأهل الرشيد كانوا ضمن الذين اختاروا المواجهة بدل الانتظار، والعمل بدل الفرجة، وربطوا اسمهم بمسار طويل من الاستثمار في الانسان والمجال.
العيون لم تصبح مدينة مؤثرة فقط بفعل القرارات الإدارية القادمة من الرباط، وإنما أيضا بفعل شبكات الثقة الاجتماعية والاقتصادية التي تشكلت داخلها عبر عقود، وهذه الشبكات احتاجت إلى وجوه لها وزنها ورصيدها وعلاقاتها وقدرتها على جمع الناس حول مشاريع واقعية. وهنا يبرز دور أهل الرشيد باعتبارهم جزء من البنية العميقة التي منحت المنطقة استقرارا سياسيا وحركية اقتصادية مستمرة.
هناك فرق كبير بين من ينظر إلى الوطن كخريطة معلقة فوق الجدار، ومن يراه مسؤولية يومية تتجسد في الاستثمار والدفاع والمرافعة وتحمل الكلفة السياسية والاجتماعية. فالوطن الحقيقي لا يعيش داخل الشعارات الحماسية بقدر ما يعيش أيضا داخل الموانئ والطرق والمقاولات وفرص الشغل والعلاقات القبلية المتوازنة. ومن هذه الزاوية يصبح الدفاع عن اهل الرشيد دفاعا عن منطق الاستمرارية الوطنية داخل الصحراء.
لقد مرت الصحراء المغربية بمراحل دقيقة جدا، وكانت في لحظات كثيرة هدفا للمؤامرات والتشكيك ومحاولات زرع الفوضى. وفي تلك الفترات لم يكن المطلوب مجرد الكلام المرتفع، بل وجود عائلات وقوى اجتماعية قادرة على تثبيت التوازن وحماية منسوب الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذا الدور لعبته شخصيات صحراوية عديدة، وكان أهل الرشيد ضمن الواجهات التي اختارت الانحياز لوحدة الوطن بشكل واضح وصريح.
من السهل جدا أن يمارس البعض هواية التخوين حين يجلسون بعيدين عن تعقيدات الواقع، لكن الأصعب هو أن يتحمل الانسان مسؤولية القرار داخل منطقة تعرف حساسيات قبلية وسياسية واقتصادية متشابكة. التخوين في كثير من الأحيان يكشف كسلا فكريا أكثر مما يعبر عن وعي سياسي حقيقي، لأن الحكم على التجارب يحتاج الى قراءة التاريخ كاملا، لا إلى انتقاء لحظات معزولة تخدم الانفعال.
الفلسفة السياسية تعلمنا أن المجتمعات لا تبنى بالملائكة، وإنما بالبشر بما يحملونه من تناقضات وطموحات وقدرات على الفعل. ولهذا فان تقييم أي تجربة يجب أن ينطلق من حصيلتها العامة داخل المجتمع. وحين ننظر الى ما تحقق في العيون من استقرار وتنمية وحضور اقتصادي ومكانة وطنية، يصبح من غير المنطقي أن يتم تجاهل الأدوار التي ساهمت في صناعة هذا الواقع.
إن الذين يهاجمون كل النخب دفعة واحدة ينسون أن الفراغ أخطر من الأخطاء نفسها. فحين تنهار الوسائط الاجتماعية والسياسية، تدخل المجتمعات في الفوضى ويصبح المجال مفتوحا أمام المغامرين والانتهازيين والمتطرفين. وأهل الرشيد، سواء اتفق البعض معهم او اختلف، ظلوا جزء من معادلة الاستقرار داخل المنطقة، وهذا معطى لا يمكن محوه بالصراخ.
الصحراء المغربية لم تكن يوما مجرد ملف دبلوماسي، كانت دائما معركة وعي وانتماء وامتداد تاريخي. وكل من ساهم في ترسيخ مغربية الصحراء داخل الواقع الاجتماعي والاقتصادي يستحق أن يقرأ بقدر من الإنصاف؛ والإنصاف قيمة نادرة في زمن تتحكم فيه ردود الفعل السريعة والانفعالات المؤقتة.
آن بعض الأصوات تتعامل مع السياسة وكأنها حرب أخلاقية مطلقة بين أطهار وفاسدين، بينما الواقع أعقد بكثير.
السياسة في عمقها فن إدارة الممكن، وفن حماية التوازنات ومنع الانهيار. ولهذا فإن من خاضوا معارك الصحراء لعقود يدركون أن الحفاظ على وحدة الوطن احتاج إلى تحالفات وصبر واشتغال يومي طويل، لا إلى خطابات مثالية منفصلة عن الأرض.
أهل الرشيد لم يصبحوا حضورا قويا بسبب الصدفة، وإنما بسبب قدرتهم على بناء النفوذ داخل المجتمع الصحراوي وربط السياسة بالتنمية والاقتصاد. وهذه القدرة نفسها هي التي جعلتهم رقما صعبا داخل المعادلة المحلية والوطنية. ومن الطبيعي أن يثير النفوذ دائما خصوما ومعارضين، فكل قوة اجتماعية تنتج حولها جدلا وصراعا وتقاطعا في المصالح.
حين نتحدث عن العيون اليوم كمدينة تتحرك فيها عجلة الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية، فعلينا ان نعترف ان هذا التحول لم يكن ليحدث دون مساهمة فاعلين محليين امتلكوا الجرأة على الاستثمار والعمل وسط ظروف لم تكن دائما مستقرة أو مضمونة. والذاكرة العادلة لا تمحو من ساهموا في البناء فقط لأن المزاج السياسي تغير.
الوطنية ليست مزادا مفتوحا يمنح فيه البعض شهادات الانتماء وينزعونها متى شاؤوا.
الوطنية موقف طويل يقاس بسنوات الالتزام والتضحية والقدرة على الصمود حين تكون الكلفة مرتفعة. ومن الظلم اختزال تاريخ عائلات كاملة في حملات عابرة او خصومات ظرفية لا ترى الصورة كاملة.
إن الدفاع عن أهل الرشيد لا يعني ادعاء الكمال او رفض النقد، فكل تجربة بشرية قابلة للنقاش والتقييم والمراجعة، لكنه يعني رفض السقوط في عقلية الهدم المجاني، ورفض تحويل التخوين الى لغة يومية تقتل الثقة وتفتح الأبواب أمام العبث.
فالمجتمعات القوية هي التي تنتقد بعقل، وتحاسب بعدل، وتحفظ التوازن بين الذاكرة والانصاف.
ولهذا نقول نعم، نؤيد أهل الرشيد، وندافع عنهم، وسنظل نفعل ذلك ما دمتا نرى فيهم جزء من قصة وطن قاوم التمزق واختار البناء وسط العواصف. فالتاريخ في النهاية لا ينصف الذين صرخوا أكثر، وإنما ينصف الذين تركوا أثرا حقيقيا في الأرض والإنسان والدولة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل