في المشهد الانتخابي للأقاليم الجنوبية، برز اسم محمد ولد الرشيد خلال السنوات الأخيرة ولاسيما استحقاقات 23 شتنبر، باعتباره أكبر الوجوه التنظيمية والسياسية التي ارتبط حضورها بإعادة ترتيب أوراق حزب الاستقلال وتوسيع شبكته الانتخابية. فالرجل، الذي انخرط مبكرا في العمل الحزبي، انتخب عضوا باللجنة المركزية سنة 2008، ثم عضوا باللجنة التنفيذية منذ المؤتمر الوطني السادس عشر سنة 2012، وتولى مسؤولية تنظيمات وهيئات وروابط الحزب. هذه التجربة الطويلة والمهمة جعلته قريبا من تفاصيل العمل التنظيمي أكثر من اقتصاره على الواجهة الانتخابية.
وإذا كان تشبيه محمد ولد الرشيد بـ«كارل روف الصحراء» يطرح باعتباره توصيفا صحفيا أو سياسيا، فإن المقارنة تستند أساسا إلى البعد التنظيمي في تجربته.
فروف عرف بإدارة الحملات من خلف الكواليس وبناء الهياكل الانتخابية، بينما تكشف سيرة ولد الرشيد عن مسار طويل داخل أجهزة حزب الاستقلال، وعن اشتغاله على التنظيمات والروابط والمنتخبين في الجهات الجنوبية، وطالما اختار الكواليس أيضا.
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في الصحراء، حيث لا تختزل الانتخابات في يوم الاقتراع، بقدر ما تتداخل فيها العلاقات المحلية، والحضور الميداني، وشبكات المنتخبين، والقدرة على استقطاب الشخصيات ذات الامتداد الاجتماعي والسياسي.
وقد وصفت تحليلات انتخابية حديثة المنافسة في المنطقة بأنها تقوم بدرجة كبيرة على الشبكات المحلية والمنتخبين والفاعلين ذوي النفوذ، مع اعتبار حزب الاستقلال تاريخيا من القوى البارزة هنا، بل وأهمها.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم استراتيجية ولد الرشيد باعتبارها عملية بناء تدريجي أكثر منها مناورة انتخابية ظرفية؛ فالموقع التنظيمي الذي شغله داخل حزب الاستقلال، إلى جانب حضوره في جهة العيون الساقية الحمراء وقربه من الساكنة، وفر له معرفة متراكمة بخريطة المنتخبين والفاعلين المحليين وبطبيعة التوازنات التي تحكم المنافسة في الصحراء.
أما أحد أبرز ملامح هذا الأسلوب المتشابه بين ولد الرشيد وكارل، فيتمثل في الانتقال من التركيز على مدينة واحدة إلى التفكير في المجال الجنوبي كشبكة مترابطة. فخلال الحملة التشريعية الأخيرة، لم يقتصر النشاط المرتبط بحزب الاستقلال على العيون، بل امتد إلى أقاليم جهة العيون الساقية الحمراء، والداخلة وادي الذهب في وقت كان فيه الصراع الانتخابي يشمل العيون والسمارة وبوجدور وطرفاية بالتوازي مع التنافس في جهة الداخلة وادي الذهب.
وكانت الداخلة اختبارا مهما لهذا التنظيم، بعد الإكتساح الكبير الذي خلفه مرشح الاستقلال “مبارك حمية”، اكتساح خطط بعقلية كبيرة وبدهاء منقطع الطريق لولد الرشيد دون إغفال الجهد الكبير أيضا الذي بذله حمية.
ومن أبرز الأمثلة أيضا على ذلك التحاق محمد بوبكر بحزب الاستقلال وترشحه في دائرة أوسرد، عقب لقاء مع قيادات الحزب، من بينها محمد ولد الرشيد.
لكن استراتيجية التنظيم لا تكتمل بالتحالفات وحدها. فالحملة الانتخابية في العيون أظهرت أيضا أهمية الجمع بين التنظيم المركزي والحضور الميداني، فقد قاد ولد الرشيد حملة حزب الاستقلال في المدينة من خلال لقاءات وتجمعات وأنشطة في مختلف الأحياء، مع تقديم البرنامج الانتخابي والتواصل المباشر مع السكان الذي باشره أيضا وبكثافة الحاج مولاي حمدي ولد الرشيد، صانع مجد الحزب بالصحراء منذ الأزل.
ومع كل ما قد يقال ويكتب حول الرجل الذي لن يوفه أحد حقه، فمحمد ولد الرشيد ليس وافدا جديدا إلى المجال السياسي المحلي؛ فقد راكم منذ 2008 حضورا داخل أجهزة حزب الاستقلال، وانتخب مستشارًا برلمانيا، وتولى مسؤوليات في مجلس جهة العيون الساقية الحمراء، كما انتخب نائبًا أول لرئيس مجلس جماعة العيون منذ 2015، ثم رئيسا لمجلس المستشارين.
هذا التراكم يسمح بفهم إحدى سمات أسلوبه؛ الاستثمار في التنظيم قبل موعد الانتخابات بوقت طويل. فالانتخابات، في هذا التصور، ليست حملة تبدأ قبل أسابيع من الاقتراع، وإنما نتيجة لسنوات من بناء العلاقات والهياكل وتكوين شبكة من المنتخبين والفاعلين.
وفي العيون تحديدا، جاءت النتائج التشريعية لتمنح حزب الاستقلال موقع الصدارة. فقد حصل الحزب، وفق النتائج النهائية المنشورة، على 51,815 صوتا في الدائرة الانتخابية للعيون، رقم يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن القوة الحقيقية تكمن كذلك في أن تكون جزءا من المواطن، الذي من الصعب أن يقتنع بشخص ليس قريبا منه.
وتكشف تجربة 2026 أيضا أن الحفاظ على النفوذ الانتخابي في الصحراء ليس مهمة بسيطة؛ فالمنافسة كانت قوية بين الاستقلال والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والتقدم والاشتراكية وغيرها، لكن البقاء في الأخير كان للأقوى والتصدر بفارق شاسع.
وفي المحصلة، فإن وصف محمد ولد الرشيد بأنه “كارل روف الصحراء” فهو تقارب في التخطيط بين المهندسين والعقلين المدبرين للانتخابات، واحد في واشنطن وصحاري تكساس وثان هنا في الرباط وبين كثبان الرمال الصحراوية وأهلها.



