المغرب يشدد العقوبات على “الانحرافات الرقمية” في انتخابات 2026.. ويُدخل الذكاء الاصطناعي لمواجهة “تلاعب الخوارزميات”

شطاري خاص1 أبريل 2026
المغرب يشدد العقوبات على “الانحرافات الرقمية” في انتخابات 2026.. ويُدخل الذكاء الاصطناعي لمواجهة “تلاعب الخوارزميات”

أدخل المغرب استحقاقات 2026 في مرحلة مفصلية من التحول الرقمي، بعدما صادق على ترسانة قانونية غير مسبوقة تُؤطر العملية الانتخابية، مُدرجا الذكاء الاصطناعي ضمن أدوات الحملة حيث شدد العقوبات على الانحرافات الرقمية في خطوة تعكس انتقال الانتخابات من فضائها التقليدي إلى مجال رقمي مفتوح على فرص التحديث ومخاطر التلاعب في آن واحد.

هذا التحول، تكرّس عمليا مع صدور المرسوم رقم 2.26.190 في 26 مارس 2026، الذي حدد موعد الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر المقبل، ووضع جدولة دقيقة لكافة مراحل العملية الانتخابية بدءا من إيداع الترشيحات بين 31 غشت و9 شتنبر، مرورا بالحملة الانتخابية الممتدة من 10 إلى 22 شتنبر وصولا إلى يوم الاقتراع في تنظيم زمني صارم يُحيل على إرادة مؤسساتية لإعادة ضبط قواعد المنافسة السياسية داخل إطار محكم.

غير أن الأبرز في هذا المرسوم يتعلق بطبيعة الوسائل المعتمدة، إذ تم لأول مرة اعتماد منصة إلكترونية مخصصة لإيداع الترشيحات ما يشكل قطيعة مع المساطر الورقية التقليدية، وينقل العملية الانتخابية إلى فضاء رقمي منظم أصبح فيه “الرقمي” البنية الأساسية التي تُدار عبرها العملية برمتها وهو تحول يواكب ما تشهده الأنظمة الديمقراطية من انتقال تدريجي نحو “رقمنة السياسة” بمختلف أبعادها.

ويأتي هذا التطور في سياق أوسع انطلق منذ خريف 2025، حين عرضت وزارة الداخلية حزمة تشريعية متكاملة تضم مشاريع قوانين تتعلق باللوائح الانتخابية والحملات والأحزاب السياسية وتنظيم مجلس النواب، وهي نصوص صيغت في إطار رؤية شمولية تروم تحديث قواعد اللعبة الديمقراطية وإدماج التحديات الرقمية ضمن بنيتها القانونية، بما يعكس وعيا متزايدا بتحول الفضاء السياسي إلى فضاء هجين تتداخل فيه الممارسة التقليدية مع التأثير الرقمي والخوارزمي.

وفي هذا الإطار، شكل التنصيص الصريح على الذكاء الاصطناعي ضمن “الوسائل الرقمية” نقطة تحول مفصلية إذ أصبح خاضعا لسقف الإنفاق الانتخابي في خطوة تحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة خصوصا في ظل ما راكمته التجارب الدولية من مؤشرات على قدرة هذه التقنيات على التأثير في الرأي العام سواء عبر إنتاج محتوى موجه أو تحليل البيانات السلوكية للناخبين، أو حتى خلق واقع إعلامي موازٍ عبر تقنيات التزييف العميق.

وذهب المشرع إلى إقرار سقف مزدوج لنفقات الحملات الرقمية، لا يتجاوز ثلث الميزانية الإجمالية مع تحديد سقف أقصى يبلغ 800 ألف درهم للوائح المحلية و1.5 مليون درهم للوائح الجهوية، في محاولة واضحة للحد من تغول المال الرقمي داخل الحملات، وضبط التوازن بين الفاعلين السياسيين في ظل تصاعد تكلفة الحملات الإلكترونية واستهدافها الدقيق للناخبين.

بالموازاة مع ذلك، أدخلت النصوص بعدا زجريا غير مسبوق من خلال تجريم استخدام شبكات التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية لارتكاب جرائم انتخابية، تشمل نشر الأخبار الزائفة، وتزييف المحتويات والتلاعب بالصور بهدف التشهير بالمرشحين أو التأثير على توجهات الناخبين مع عقوبات تصل إلى خمس سنوات سجنا وغرامات مالية قد تبلغ 100 ألف درهم، في سياق يعكس انتقال الدولة من منطق التنظيم إلى منطق الردع في مواجهة ما بات يُعرف بالانحرافات الرقمية.

وهذا التحول يجعل الفضاء الرقمي بمختلف منصاته، امتدادا فعليا للفضاء الانتخابي، بحيث لم يعد التمييز قائما بين ما يُقال داخل مكاتب التصويت وما يُنشر على منصات مثل إنستغرام أو يُبث مباشرة على تيك توك، وهو ما يوسع مفهوم “الفعل الانتخابي” ليشمل كل تعبير رقمي يمكن أن يؤثر في العملية الديمقراطية في تحول عميق يعكس إعادة تعريف المجال السياسي ذاته.

غير أن هذا الإطار رغم طابعه المتقدم، يكشف عن ثغرة مركزية تتعلق بغياب تأطير دقيق لمسألة المعطيات الشخصية للناخبين إذ بينما يُعاقب القانون على الحصول غير المشروع على بيانات اللوائح الانتخابية، فإنه لا يقدم إجابات واضحة بشأن البيانات التي يتم جمعها عبر قنوات أخرى مثل المنصات الرقمية أو الوسطاء التجاريين أو تلك التي تُستخرج عبر أدوات التحليل الخوارزمي وهو ما يفتح الباب أمام ممارسات الاستهداف السياسي الدقيق التي أثارت جدلا واسعا في تجارب انتخابية دولية.

في هذا السياق، يُعوّل على اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي لسد هذه الثغرة، حيث أكد رئيسها عمر السغروشني في تصريح لـ “لوماتان” الناطقة بالفرنسية أن المخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في السياق الانتخابي “شاملة ومقلقة” مشيرا إلى أن المؤسسة تشتغل منذ مارس 2025 على إعداد إطار تأطيري لهذا الاستخدام، عبر مشاورات مع خبراء ومؤسسات وأحزاب سياسية، بهدف بلورة قواعد توجيهية تقوم على الشفافية والنزاهة واحترام الكرامة الإنسانية، بدل الاقتصار على المقاربة الزجرية فقط.

السغروشني شدد أيضا على أن القانون 09-08 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية يظل ساريا في المجال الانتخابي، باعتباره قانونا عرضيا يشمل جميع أشكال معالجة البيانات، من جمعها إلى استغلالها وإتلافها، نافيا وجود فراغ قانوني، لكنه أقر في المقابل بضرورة تطوير التأويلات والممارسات بما يواكب التحولات الرقمية المتسارعة، خاصة في ظل بروز تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي والتزييف العميق، التي تطرح تحديات غير مسبوقة أمام الأنظمة القانونية التقليدية.

وعند حديثه عن طبيعة المخاطر، اعتبر أن التهديد لا يقتصر على جانب دون آخر، بل يشمل مجمل الاستخدامات الممكنة، من الاستهداف الدقيق للناخبين إلى إنتاج محتويات مضللة، مرورا بالتأثير الخوارزمي على النقاش العمومي، مؤكدا أن مستوى الوعي المجتمعي بهذه التحديات لا يزال في حاجة إلى تطوير، في ظل سرعة انتشار هذه التقنيات وصعوبة ضبطها.

وفي ما يتعلق بتداخل الاختصاصات بين المؤسسات، أوضح أن لكل جهة دورها المحدد، سواء وزارة الداخلية في مراقبة النفقات، أو CNDP في حماية المعطيات أو النيابة العامة في الزجر، مشيرا إلى أن هذه الأدوار رغم استقلاليتها تظل متكاملة ولا وجود فعليا لما يُوصف بالمناطق الرمادية، بقدر ما هناك حاجة إلى تنسيق أفضل وفهم مشترك لطبيعة التحديات.

وعلى المستوى الدولي، يندرج هذا التحول ضمن اتجاه أوسع نحو تقنين الذكاء الاصطناعي في العمليات الانتخابية، حيث صنف الاتحاد الأوروبي هذه الأنظمة ضمن التطبيقات عالية المخاطر وفرض عليها شروطا صارمة تتعلق بالشفافية والمراقبة، كما اعتمدت دول مثل فرنسا آليات خاصة لرصد الممارسات الرقمية خلال الانتخابات وهو ما يعكس إدراكا متزايدا لحجم التهديد الذي يشكله الفضاء الرقمي على نزاهة المسارات الديمقراطية.

في المقابل، تسعى المؤسسات المغربية إلى التموضع ضمن هذا النقاش العالمي مستفيدة من انخراطها في شبكات دولية لحماية المعطيات، ومشاركتها في مبادرات إقليمية ودولية بما يسمح لها بالاطلاع على أفضل الممارسات ومحاولة التوفيق بين تشجيع الابتكار وضمان حماية الحقوق الأساسية للمواطنين في سياق يتسم بتسارع غير مسبوق في التحولات الرقمية.

غير أن الرهان الحقيقي، كما يبرز من مجمل هذه الإصلاحات لا يكمن فقط في قوة النصوص القانونية بل في مدى الالتزام بها من قبل مختلف الفاعلين سواء الأحزاب السياسية أو وسائل الإعلام أو المواطنين خاصة في بيئة رقمية مفتوحة يصعب التحكم في تدفق المعلومات داخلها حيث يمكن لمعلومة مزيفة أو محتوى مفبرك أن ينتشر في لحظات ويؤثر في اتجاهات التصويت، ما يجعل من انتخابات 2026 اختبارا حقيقيا لقدرة المغرب على تدبير انتقاله إلى ديمقراطية رقمية دون أن يفقد توازنها أو مصداقيتها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل