يمثل تغير الموقف الإسباني من قضية الصحراء تحولا سياسيا واستراتيجيا ذا أبعاد تاريخية وجيوسياسية عميقة، إذ لم يعد هذا الملف مجرد امتداد لإرث استعماري أو خلاف دبلوماسي تقليدي، بل أصبح جزءا من رؤية جديدة تقوم على إعادة تعريف العلاقات بين مدريد والرباط في إطار الشراكة الاستراتيجية والتكامل الإقليمي في غرب البحر الأبيض المتوسط.
وبحسب معطيات أوردتها صحيفة “la provencia” الإسبانية، فإن هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة مسار تراكمي امتد لسنوات، وتُوّج بشكل واضح في سنة 2022 عندما أعلنت إسبانيا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب باعتبارها “الأكثر جدية وواقعية ومصداقية”لحل النزاع الإقليمي حول الصحراء.
وتشير الصحيفة إلى أن هذا الموقف تكرس في الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022 بين البلدين، ثم أعيد تأكيده لاحقا من طرف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أمام البرلمان دون لبس أو غموض، قبل أن يتعزز مجددا في سياق التطورات الدبلوماسية اللاحقة، وصولا إلى سنة 2025 وما رافقها من تأكيدات سياسية في إطار الاجتماعات الثنائية رفيعة المستوى.
وفي قراءة لهذا المعطى، يمكن اعتبار تحول الموقف الاسباني انتقالا من مرحلة “الحياد الحذر” إلى مرحلة “الواقعية السياسية”، حيث لم يعد موقف مدريد يقتصر على إدارة التوازنات التقليدية، بل أصبح يميل إلى دعم خيار تعتبره إسبانيا أكثر قابلية للتطبيق وأكثر انسجاما مع منطق الاستقرار الإقليمي، وهو التحول الذي يرتبط أيضا بالدينامية الدولية التي دعمتها قرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تكشف الأرقام عن عمق الترابط بين البلدين، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين المغرب وإسبانيا 22.5 مليار يورو خلال سنة 2024، مع تسجيل نمو ملحوظ في الصادرات الإسبانية نحو السوق المغربية بنسبة تقارب 6 في المائة، إضافة إلى تحقيق فائض تجاري لصالح إسبانيا يناهز 3 مليارات يورو، إذ تؤكد هذه المؤشرات أن العلاقات الاقتصادية لم تعد علاقات تبادل تقليدية، بل أصبحت جزأً من منظومة تكامل فعلي بين اقتصادين متجاورين.
كما أن البعد الإنساني يشكل أحد أهم ركائز هذه العلاقة، حيث تعيش جالية مغربية واسعة داخل إسبانيا، مع تسجيل حصول أكثر من 42 ألف مغربي على الجنسية الإسبانية خلال سنة 2024، ما يعكس عمق الارتباط الاجتماعي والإنساني بين الشعبين، وتحول العلاقة إلى نسيج اجتماعي مشترك يتجاوز الحدود السياسية التقليدية.
أما في المجال الأمني، فان التعاون بين البلدين بلغ مستويات متقدمة، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب والتطرف والهجرة غير النظامية، حيث تم التأكيد خلال اجتماع وزاري في مدريد في فبراير 2025 على تعزيز التنسيق الأمني بين وزارتي الداخلية في البلدين، استعدادا أيضا للاستحقاقات الدولية الكبرى، ومنها تنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك.
ويعكس هذا التوجه بالعودة إلى قراءة الصحيفة الاسبانية إدراكا متزايدا داخل دوائر القرار الإسباني لأهمية المغرب كشريك استراتيجي لا غنى عنه في معالجة قضايا الهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب، ومحاربة شبكات الجريمة المنظمة، وتأمين المجال البحري في غرب المتوسط.



