تختزن الذاكرة الإعلامية جنوب المغرب، أسماء معدودة استطاعت أن تترك بصمة لا تمحى في وعي الجمهور الصحراوي، ولا شك أن الإعلامي محمد فاضل أبو الحسن يأتي -رفقة قليلين- في صدارة هذه القائمة. فهو الوجه الصحفي الذي جمع بين رصانة الطرح وكاريزما التقدين، وحضور الميكروفون، وعمق المعرفة الأدبية، ليصنع مسارا مهنيا ملؤه التألق والتميز على مدى سنوات طويلة من العطاء.
لم تكن بداية الرجل وليدة المصادفة، بحيث جاءت مرتكزة على بناء أكاديمي متين؛ فقد التحق بشعبة الأدب الإنجليزي في دراسته الجامعية، وتخرج منها متسلحا بلغة عالمية وثقافة واسعة، ساهما في توسيع آفاقه الفكرية وقدرته على استيعاب المدارس الصحفية والفكرية المتنوعة في العالم الغربي والشرقي على حد سواء.
منح هذا التخصص الأكاديمي لمحمد فاضل أبو الحسن حصانة لغوية وحسا صحفيا رفيعا؛ فالأدب الإنجليزي بعوالمه الرومانسية والكلاسيكية والواقعية فتح أمامه أبواب القراءة المتعمقة للنصوص، وجعل منه قارئا شغوفا قبل أن يكون إعلاميا بارزا، وهو ما انعكس لاحقا بشكل جلي على أسلوبه السلس في التقديم والتعبير.
شكلت “قناة العيون” المحطة المحورية الأولى واللبنة الأساسية في مساره الإعلامي، حيث أطل منها كواحد من أبرز الوجوه الشابة التي تحمل روح الجدية والاتزان.
وفي فترة وجيزة، استطاع أن يكسب ثقة المشاهدين بفضل قدرته العالية على إدارة النشرات التلفزيونية الإخبارية والمقابلات الصحفية والبرامج الأدبية باحترافية مشهود لها.
وسرعان ما أصبح محمد فاضل أبو الحسن مقدم الأخبار الرئيسي والأهم في “قناة العيون”، إذ أضفى على الشاشة هيبة خاصة عبر مخارج حروف متقنة، وإلقاء حازم يتناسب مع طبيعة المادة الإخبارية، وحضور بهي، ليتحول إلى مرجعية للشاشة في التغطيات الرئيسية والأحداث الفاصلة التي تهم المشاهدين.
ولم يكتف أبو الحسن بالوقوف عند حدود نشرات الأخبار اليومية وضغط الصحافة السريعة، حيث واكب أيضا البرامج الحوارية التلفزيونية التي تتيح مساحة أكبر للتحليل والنقاش، والغوص في الشؤون الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تلامس قضايا الجمهور وتطلعاته.
وفي غمرة نجاحاته الإخبارية، برز أبو الحسن كأهم مقدم لبرنامج “سباق القوافي”، الذي يعد علامة فارقة في المشهد الإعلامي الثقافي. جاء هذا البرنامج ليكون جسرا يربط الجمهور بالأصالة والكلمة الموزونة، ويبرز الطاقات الشاعرية والأدبية في بيئة تسودها المنافسة الشريفة والجمالية الفنية.
وظل برنامج “سباق القوافي” عالقا في أذهان المشاهدين حتى اليوم، لما حمل من جماليات في الطرح وعمق في المحتوى؛ فقد كان منبرا استثنائيا للاحتفاء بالقافية والشعر، وإحياء الموروث الثقافي بأسلوب تلفزيوني معاصر جذب مختلف الفئات العمرية والمهتمين بالأدب.
وتمكن أبو الحسن خلال تقديمه لـ “سباق القوافي” من مزج درايته بالأدب العالمي بشغفه بالثقافة المحلية والأدب العربي، مما أسبغ على التقديم رداء نقديا زاد من قيمة التفاعل بين المتنافسين والجمهور والمحكمين، وجعل للبرنامج طابعا خاصا لا ينسى.
ومع كل النجاح والاستقرار المؤسسي الذي حققه، كان الطموح الإعلامي لمحمد فاضل أبو الحسن يتجاوز الحدود المحلية، راغبا في تجربة صحفية تضعه على محك المنافسة الإعلامية العربية والدولية ذات الإيقاع المرتفع والتحديات الأكبر.
وجاء الانتقال إلى دولة قطر للانضمام إلى شبكة “الجزيرة” بمثابة خطوة مفصلية حاسمة في حياته المهنية؛ حيث التحق بواحدة من أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم العربي وأكثرها تأثيرا في صناعة الرأي العام وصياغة الخبر الإقليمي والدولي.
وفي أروقة “الجزيرة”، وجد محمد فاضل أبو الحسن بيئة تحريرية قائمة على السرعة والموضوعية والعمق الصحفي.
وبفضل تكوينه الرصين وتجربته السابقة، استطاع التأقلم سريعا مع ضوابط وشروط المدرسة التحريرية الشديدة الدقة، تاركا انطباعا مميزا منذ أيامه الأولى.
لم يكن من السهل تحجيم التفوق أو البروز وسط نخبة من أبرز الصحفيين والإعلاميين العرب في شبكة بحجم “الجزيرة”، إلا أن أبو الحسن أثبت كفاءة استثنائية جعلته يتبوأ موقعا كواحد من الصحفيين والمنتجين وصناع المحتوى الإخباري في المؤسسة.
وشارك بفعالية في معالجة وتغطية العديد من الملفات السياسية المعقدة والأحداث الساخنة التي شهدتها المنطقة والعالم، مقدما معالجات صحفية تتسم بالحياد والاحترافية والقدرة على قراءة ما بين السطور وتحليل خلفيات الأحداث.
وظهر أثر تخصصه الأكاديمي القديم في الأدب الإنجليزي جليا في عمله الصحفي الدولي، حيث استطاع متابعة المصادر الأجنبية وترجمة التقارير والتعامل مع التغطيات الدولية بسلاسة وعمق مفاهيمي أفاد المادة الإعلامية الموجهة للمشاهد العربي.
ويتميز السرد الصحفي لمحمد فاضل أبو الحسن بالرصانة والابتعاد عن الإثارة الزائفة، مع التركيز الدائم على الفكرة والخبر وتداعياته، مما أكسبه احترام زملائه في غرفة الأخبار والمتابعين عبر مختلف الوسائط والمنابر.
يشكل إذن، أبو الحسن نموذجا للإعلامي الشامل الذي يبدأ من الخبر المكتوب، مرورا بالحوار البرامجي الشفهي، وصولا إلى صناعة القوالب التلفزيونية والتغطيات التحريرية الميدانية الشاملة، متسلحا بخبرة تراكمية صلبة.
ورغم رحلته الدولية واشتغاله بالملفات العابرة للحدود، ظل اسم محمد فاضل أبو الحسن مرتبطا في الذاكرة الجمعية للمشاهدين بأيامه الأولى، وخاصة البرامج التي لامست وجدانهم الثقافي والفكري وأثبتت قدرة الإعلام على صناعة الأثر الجميل، بحيث تعتبر مسيرته درسا عمليا لجيل الشباب من الصحفيين، مفاده أن بناء الشخصية الإعلامية الناجحة يستند إلى التكثيف الأكاديمي، وتنوع الخبرة، والالتزام بأخلاقيات المهنة، وعدم التردد في خوض التجارب الجديدة بين المستويين المحلي والدولي.
ليستمر محمد فاضل أبو الحسن في إثراء المشهد الإعلامي كخبرة صحفية ناضجة بشبكة الجزيرة؛ مسيرة حافلة انطلقت من مدرجات الأدب الإنجليزي، ومرت بأروقة “قناة العيون”، لتستقر في صرح إعلامي دولي، تاركة خلفها أثرا أدبيا وإعلاميا يظل محفورا في تاريخ الصحافة التلفزيونية المغربية.








