انتقدت منظمة العفو الدولية السلطات الجزائرية بسبب ما وصفته بفشلها في الوفاء بتعهداتها التي قطعتها منذ أكثر من عقدين لحماية النساء ضحايا العنف، معتبرة أن نظام الإيواء الحكومي لا يزال يعاني من قصور كبير يحرم آلاف النساء من الحصول على الحماية اللازمة.
وقالت المنظمة، في تقرير أصدرته الخميس، إن الجزائر لم تفتتح سوى ثلاثة مراكز حكومية لإيواء النساء المعنفات، رغم مرور 22 سنة على إصدار مرسوم تنفيذي ينص على إنشاء شبكة وطنية من هذه المراكز لتوفير الحماية والرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية والمساعدة القانونية للضحايا.
وأوضحت المنظمة أن المراكز الثلاثة الموجودة حاليا تقع في ولايات تيبازة ومستغانم وعنابة، جميعها في شمال البلاد، وهو ما يجعل الوصول إليها شبه مستحيل بالنسبة للنساء المقيمات في وسط الجزائر وجنوبها، في بلد يمتد لأكثر من ألفي كيلومتر من الشمال إلى الجنوب.
وأضاف التقرير أن الطاقة الاستيعابية للمراكز الثلاثة لا تتجاوز 220 شخصا، في وقت تضم فيه الجزائر أكثر من 48 مليون نسمة موزعين على 69 ولاية، مشيرا إلى أن هذا الرقم يبقى بعيدا عن المعايير الدولية التي توصي بتوفير مركز إيواء واحد لكل عشرة آلاف نسمة.
وقالت ديانا الطحاوي، نائبة المديرة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن السلطات الجزائرية “أخفقت، بعد أكثر من عقدين، في الوفاء بالتزامها بمواجهة آفة العنف ضد النساء والفتيات”، مؤكدة أن الوصول إلى مراكز الإيواء لا يزال “محدودا وغير متكافئ”.
وانتقدت المنظمة كذلك شروط الولوج إلى مراكز الإيواء، موضحة أن استقبال النساء يبقى رهينا بقرار من والي الولاية، إضافة إلى اشتراط تقديم وثائق هوية وشهادة طبية، وهي إجراءات اعتبرتها عائقا أمام النساء اللواتي يحتجن إلى الحماية بشكل عاجل، خصوصا في حالات الطوارئ.
كما أبدت المنظمة قلقها من القيود المفروضة داخل مراكز الإيواء، مشيرة إلى أن النساء المقيمات فيها يواجهن، بحسب شهادات جمعتها، قيودا على حرية التنقل والتواصل مع الخارج، كما لا يسمح لهن بالإقامة مع أطفالهن، وهو ما يؤدي إلى تفكك الأسر ويزيد من هشاشة أوضاع الضحايا.
وأكد التقرير أن هذه القيود قد تدفع بعض النساء إلى العزوف عن طلب الحماية أو العودة إلى بيئات يتعرضن فيها للعنف، معتبرا أن الأطفال الذين يشهدون أعمال العنف يجب أن يعاملوا أيضا باعتبارهم ضحايا يستحقون الحماية والدعم.
وانتقدت منظمة العفو الدولية ما وصفته بنقص الشفافية، بعدما قالت إن السلطات رفضت تزويد منظمات المجتمع المدني بمعلومات أساسية حول مراكز الإيواء، مثل عدد المستفيدات، والطاقة الاستيعابية، والميزانيات المخصصة لها، كما رفضت السماح للمنظمة بزيارة أحد هذه المراكز.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة الجزائرية أعلنت في فبراير 2025 عن إطلاق خط هاتفي يعمل على مدار الساعة ومنصة إلكترونية لدعم النساء ضحايا العنف، إضافة إلى دليل قانوني يوضح حقوقهن، غير أن منظمات نسوية أكدت أن عددا كبيرا من النساء لا يعلمن بوجود هذه الخدمات.
وأبرزت المنظمة أن الإحصاءات الرسمية نفسها تعكس تزايد الظاهرة، إذ سجلت المديرية العامة للأمن الوطني نحو 7500 شكوى تتعلق بالعنف ضد النساء خلال سنة 2024، بارتفاع نسبته 12.4 في المائة مقارنة بعام 2023، مع ترجيح أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى بكثير بسبب ضعف التبليغ، خاصة في قضايا العنف الجنسي.
كما لفت التقرير إلى غياب أي إحصاءات رسمية بشأن جرائم قتل النساء، بينما وثقت مجموعة “فيمينيسيد الجزائر” ما لا يقل عن 37 جريمة قتل لنساء خلال سنة 2025، في حين سجل المعهد الوطني للصحة العمومية أكثر من أربعة آلاف حالة لنساء تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي في خمس ولايات خلال سنة 2023.
ودعت منظمة العفو الدولية السلطات الجزائرية إلى الإسراع بتوسيع شبكة مراكز الإيواء لتشمل جميع أنحاء البلاد، وإزالة شروط القبول التي اعتبرتها تمييزية، والسماح للنساء بالإقامة مع أطفالهن، ونشر بيانات شفافة حول هذه المراكز، فضلا عن تعديل التشريعات المتعلقة بالعنف ضد المرأة بما يتوافق مع المعايير الدولية، بما في ذلك تجريم الاغتصاب الزوجي الذي لا يزال غير معاقب عليه في القانون الجزائري.



