لم تكن التحركات السياسية التي قادها حزب الاستقلال خلال بداية الاسبوع الجاري في مدينتي الداخلة والعيون مجرد لقاءات تواصلية بقدر ما بدت أقرب الى استعراض سياسي وتنظيمي لقوة حضور أهل الرشيد وقدرتهم على تحريك قواعدهم وامتداداتهم الاجتماعية والانتخابية في واحدة من أكثر الساحات السياسية تنافسا بالمغرب.
فالتجمعان اللذان شهدا حضورا لافتا، ورسائل سياسية واضحة، وضعا حزب الاستقلال مجددا في واجهة المشهد بالصحراء الذي يتقدمه أصلا، خصوصا من خلال الحضور السياسي لمولاي حمدي ولد الرشيد والأمين العام للحزب نزار بركة، في سياق انتخابي تتجه فيه مختلف الأحزاب إلى اختبار مواقعها واستقطابها قبل الاستحقاقات المقبلة.
وتؤكد المعطيات أن حضور ولد الرشيد في الداخلة والعيون جاء في إطار تحرك سياسي وتنظيمي واسع، فيما قدم أنصار الحزب هذه اللقاءات باعتبارها تعبيرا عن استمرار الحضور الميداني لمدرسة أهل الرشيد في الاقاليم الجنوبية.
و في الداخلة، اكتسب اللقاء التواصلي دلالة خاصة، بالنظر إلى أن المدينة ظلت خلال السنوات الاخيرة ساحة مفتوحة للتنافس بين عدد من القوى والوجوه السياسية ذات الامتداد المحلي والجهوي، غير أن الحضور الاستقلالي الأخير أعاد طرح سؤال القوة الانتخابية لأهل الرشيد خارج مجال نفوذهم التقليدي في العيون، ومدى قدرتهم على بناء امتداد سياسي مستقر في جهة الداخلة وادي الذهب، بعد استقطاب الجوكير مبارك حمية.
ولا يتعلق الأمر فقط بعدد الحاضرين في تجمع حزبي، وإنما أيضا بالرسائل التي حملها الحضور السياسي والاجتماعي المحيط باللقاء، وبقدرة الحزب على جمع منتخبي ومناضلي وأنصار الاستقلال حول خطاب واحد في محطة انتخابية حساسة.
والأهم في المشهد أن تحرك أهل الرشيد في الداخلة لم يأت في فراغ سياسي، إذ سبق أن برزت علاقات وتقاطعات سياسية واجتماعية بين عائلات وفاعلين في الجهة وبين قيادة الاستقلال في الصحراء. وقد سبق لمحمد لمين حرمة الله، المنسق الجهوي لحزب التجمع الوطني للاحرار، أن تحدث علنا عن قوة العلاقة بين عائلتي حرمة الله وأهل الرشيد، وعن مكانة مولاي حمدي ولد الرشيد لدى عدد من أعيان وساكنة جهة الداخلة وادي الذهب. كما حضر في لقاء سابق جمع ولد الرشيد بشيوخ القبائل وأعيان الجهة ومنتخبيها، ما يعكس ان حضور الرجل في الداخلة ليس وليد اللحظة السياسية الحالية.
أما في العيون، فإن الصورة تبدو أكثر وضوحا، باعتبارها المجال الذي راكم فيه أهل الرشيد على مدى سنوات حضورا انتخابيا وتنظيميا قويا، وجعلوا من حزب الاستقلال أحد العناوين الأساسية للمشهد السياسي المحلي. ولذلك لم يكن التجمع الأخير مجرد نشاط حزبي عادي، حيث حمل في طياته رسالة مفادها أن القاعدة السياسية التي أسسها أهل الرشيد في عاصمة جهة العيون الساقية الحمراء ما تزال قادرة على التعبئة والحشد واستقطاب الأنصار، في وقت بدأت فيه الأحزاب السياسية استعداداتها المبكرة للانتخابات المقبلة.
وقد عكست الشعارات والهتافات التي رافقت اللقاء في العيون طبيعة الرسالة التي أراد المنظمون توجيهها، خصوصا شعار “ولد الرشيد ارتاح ارتاح.. سنواصل الكفاح”، وهو شعار يتجاوز التعبير العاطفي عن الولاء السياسي ليحمل دلالة انتخابية واضحة، مفادها أن القاعدة الاستقلالية المرتبطة بأهل الرشيد ترى نفسها مستمرة في الميدان وقادرة على خوض الاستحقاقات المقبلة بثقة.
وفي قراءة سياسية للمشهد، فإن مثل هذه التعبئة لا تقاس فقط بحجم الحضور اللحظي، وإنما بقدرة التنظيم على تحويل الحشد إلى أصوات انتخابية فعلية عند فتح صناديق الاقتراع.
وتزداد دلالة هذا التحرك إذا وضع في سياق التحولات التي عرفها المشهد السياسي بالأقاليم الجنوبية خلال الفترة الأخيرة، وفي مقدمتها انتقال عدد من الوجوه والمنتخبين بين الأحزاب، وما رافق ذلك من نقاش حول إعادة تشكيل التحالفات وموازين القوة.
وقد أثار انتقال رئيس جهة الداخلة وادي الذهب الخطاط ينجا من حزب الاستقلال إلى حزب الأصالة والمعاصرة نقاشا واسعا حول مستقبل الخريطة السياسية بالجهة، غير أن التطورات الأخيرة توحي بأن خروج بعض الأسماء من سفينة الاستقلال لا يعني بالضرورة انحسار نفوذ المدرسة السياسية التي يمثلها أهل الرشيد، الذين استقطبوا بدورهم أسماء وازنة وأكثر أهمية.
وهنا تكمن أهمية تحرك الداخلة والعيون معا؛ فالرسالة السياسية التي يمكن قراءتها من الجمع بين المدينتين هي أن أهل الرشيد لا يريدون أن يبقى نفوذهم محصورا في عاصمة الساقية الحمراء،بحيث يسعون إلى تثبيت حضورهم في مختلف مكونات المجال الصحراوي، عبر حزب الاستقلال كإطار تنظيمي وسياسي، وهو ما نجحوا فيه في محطات ماضية.
وهذا التحرك، إذا ما استمر بالوتيرة نفسها، قد يحول الحزب إلى لاعب أكثر حضورا في معادلات الاستقطاب الانتخابي بالجهات الجنوبية الثلاث، وليس فقط في دائرة العيون.
كما أن وجود قيادة الحزب الوطنية إلى جانب القيادات والمنتخبين المحليين يعطي هذه التحركات بعدا تنظيميا يتجاوز المناسباتية. فحضور الأمين العام لحزب الاستقلال إلى جانب مولاي حمدي ولد الرشيد والعمل الجبار الذي يقوده محمد ولد الرشيد في صمت؛ يبعث رسالة إلى القواعد المحلية بأن الحزب يضع الأقاليم الجنوبية ضمن أولوياته السياسية، وأن المعركة الانتخابية المقبلة لن تترك للتدبير المحلي وحده، وإنما ستخاض أيضا بدعم وطني واستثمار الرصيد التنظيمي والسياسي للحزب.
ومن زاوية أخرى، تكشف هذه الدينامية عن خصوصية الانتخابات في الصحراء، حيث تتقاطع الاعتبارات الحزبية مع الرصيد الاجتماعي والعلاقات التاريخية والامتدادات المحلية.
وفي هذا السياق، لا يمكن قياس قوة أي حزب بمجرد عدد المنخرطين أو نتائج دورة انتخابية سابقة، وإنما بقدرته على الحفاظ على شبكاته الاجتماعية، وتجديد النخب، وتعبئة المنتخبين والأعيان، وتحويل الحضور الميداني الدائم إلى أصوات انتخابية.
ومن هذه الزاوية تحديدا، تبدو تحركات أهل الرشيد في الداخلة والعيون بمثابة اختبار مبكر لمدى صلابة هذا الرصيد.
وبين الداخلة والعيون، يبدو أن أهل الرشيد يخوضون مرحلة جديدة من إعادة تثبيت النفوذ السياسي، عنوانها الانتقال من الدفاع عن مواقع قائمة إلى اختبار القدرة على توسيع دائرة التأثير.
ففي العيون، هناك رصيد تاريخي وتنظيمي يصعب تجاهله، وفي الداخلة، هناك محاولة واضحة لتثبيت الحضور وبناء امتدادات جديدة؛ وبين المدينتين، يتحرك حزب الاستقلال باعتباره الإطار السياسي الذي يمنح هذا النفوذ امتداده التنظيمي والمؤسساتي.
لقد اظهرت بداية هذا الأسبوع ان المعركة الانتخابية في الصحراء دخلت فعليا مرحلة جديدة، وأن لغة الميدان بدأت تفرض نفسها قبل أن تبدأ الحملات الانتخابية الرسمية.



