حسان الدرهم .. عندما يتحدث مسيلمة الكذاب عن النزاهة والشرف

شطاري خاص30 أغسطس 2026
حسان الدرهم .. عندما يتحدث مسيلمة الكذاب عن النزاهة والشرف

في خرجة إعلامية جديدة، عاد السياسي الفاشل حسن الدرهم إلى العزف على تلك الأسطوانة المشروخة التي اعتاد ترديدها عند كل استحقاق انتخابي، مستعيدا خطابه المألوف القائم على تقمص دور الضحية، وادعاء امتلاك الحقيقة، وإغراق النقاش في سيل من الاتهامات والادعاءات، في محاولة مكشوفة لخلط الأوراق كحاطب ليل، وكأن الضجيج قادر على إسكات الوقائع، أو يمكن أن يعفي صاحبه من الإجابة عن الأسئلة التي تفرض نفسها عليه بقوة.

غير أن الحقيقة لا تُحجب بالصراخ، والوقائع لا تختفي خلف ستار من الكلام المرسل، وحبل الكذب، مهما طال، يظل أقصر من أن يلتف حول أعناق الحقائق. فالمصداقية لا تُبنى بالخطاب الشعبوي، ولا تُنتزع بتوزيع الاتهامات المجانية على الخصوم، ولا تُستعاد بتقمص دور الضحية وصناعة الأعداء الوهميين، ومن أراد أن يخوض معركة سياسية حقيقية، فعليه أن يدخلها من باب الحجة والوثيقة والبرنامج والحصيلة، لا من باب الشتيمة والتشهير وإغراق الرأي العام في معارك جانبية لا تقدم للناخب جوابا واحدا عن أسئلته الحقيقية.

ولأن حسن الدرهم يصر على الظهور بمظهر من يملك الحقيقة وحده، فإن من حق الرأي العام أن يعيده إلى الوقائع، وأن يضع خطابه أمام ما هو ثابت في المسارات المؤسساتية والقضائية، لا أمام الروايات التي تتغير بتغير الظرف السياسي، فملف تدبير جماعة المرسى ليس قصة اخترعتها خصومة انتخابية، ولا مادة صحفية نسجت في الكواليس، وإنما ملف عرف مساراً رقابياً وقضائياً استند إلى تقارير وأبحاث مؤسساتية، وتوبع فيه حسن الدرهم إلى جانب عدد من المسؤولين والمنتخبين والموظفين والمقاولين، على خلفية اتهامات جنائية من بينها تبديد واختلاس أموال عمومية والتزوير، وفق ما هو وارد في الملف القضائي، هذا كلام القضاء وليس عبارات تطلق على عواهنها بمنابر صحفية مغمورة .

أما محاولة الزج بالمجلس الأعلى للحسابات ومجالسه الجهوية في المعارك السياسية، والمزايدات الانتخابية ومحاولة تقديم عمل مؤسسات الرقابة وكأنه إدانة مسبقة، فذلك لا يعدو أن يكون محاولة أخرى لقلب الحقائق.

فالمجلس الأعلى للحسابات ومجالسه الجهوية مؤسسات دستورية رقابية، تقوم بمهامها واختصاصاتها وفق القانون، وتنجز عمليات افتحاص ومراقبة دورية، كما تقوم بزيارات ومهام رقابية روتينية تدخل في صميم عملها المؤسساتي، والحديث عن وجود إستثناءات في هذا السياق هو كذب بواح ولا يصدقه عاقل .

والأمر نفسه ينطبق على محاولة الضرب في الاهداف الإنسانية والنبيلة ببرامج التنمية البشرية، فالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية تندرج ضمن البرامج الاجتماعية الموجهة إلى الفئات الهشة، وهي برامج وسياسات عمومية تستهدف دعم الفئات المعوزة، وتحسين ظروف عيشها، وتشجيع الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتقليص الفوارق، وتمويل مشاريع تعود بالنفع على الساكنة. ومن ثم، فإن تحويل هذه البرامج إلى مادة للمزايدات الانتخابية، ليس سوى محاولة مكشوفة ورديئة لتوظيف ملف اجتماعي بحت في سوق الدعاية الانتخابية.

لكن الأخطر من كل ذلك هو الإصرار على ترديد روايات مضللة جهارا نهارا وعلى رؤوس الأشهاد، ومحاولة تسويقها للرأي العام وكأنها حقائق مكتملة، في مسعى يتجاوز حدود السجال السياسي إلى المساس بمصالح مواطنين بسطاء، فإذا كانت هذه الروايات تُستعمل للضغط من أجل قطع مورد الرزق الوحيد عن أسر معوزة، فإن الأمر هنا يتجاوز حدود المناكفة السياسية ليصبح لعبا بلقمة عيش جزء اصيل من ساكنة الصحراء .

فالخلاف السياسي، مهما بلغ من الحدة، لا يمنح أحداً حق تحويل أرزاق المواطنين إلى أوراق ضغط، ولا يجعل من لقمة عيش الأسر محدودة الدخل سلاحاً في تصفية الحسابات، ومن يريد خوض معركته السياسية فليقدم وثائقه وحججه، وليتحمل مسؤولية تصريحاته، لكن بعيداً عن مواطنين كل ما يبحثون عنه هو مورد رزق يحفظ كرامتهم ويسد رمقهم وهو ما يستحق عليه ولد الرشيد التحايا ونياشين الشرف لا الطعن او الإنتقاد.

أما محاولة التشويش على لقاءات ولد الرشيد مع شيوخ القبائل الصحراوية، وتصويرها وكأنها واقعة تستحق كل هذا التجييش، فلا تبدو في النهاية سوى محاولة أخرى لصناعة معركة من لا شيء، فاللقاءات مع شيوخ القبائل والأعيان تندرج ضمن أنماط التواصل الاجتماعي والسياسي المعروفة في المنطقة، وقد شكلت مناسبة للاطلاع على عدد من المشاريع والمنجزات بمدينة العيون.

ثم إن شيوخ القبائل ليسوا ملكا او حكرا على أحد ولا توجد وصاية على أبوابهم او شخوصهم، و من حق أي فاعل سياسي أن يلتقيهم، ومن حقهم أن يستقبلوا من يشاؤون وأن يعبروا عن مواقفهم واختياراتهم، لذلك فإن تحويل التواصل مع شيوخ القبائل إلى مادة للتشهير لا يكشف عن قوة الحجة، بقدر ما يكشف عن فقر واضح في البدائل السياسية.

فالمنافسة الانتخابية لا تعني مصادرة العلاقات الاجتماعية للناس، ولا تعني أن يصبح كل لقاء قبلي أو اجتماعي مناسبة لإطلاق الاتهامات، والمجتمع الصحراوي الذي لا يفهم بعض الدخلاء تعقيداته أكبر من أن تختصره الحسابات الانتخابية الضيقة، والناخبون في العيون أذكى من أن يتركوا لأحد مهمة اختيار من يتحدث باسمهم أو من يلتقونه أو من يمنحونه ثقتهم.

كما أن حديثه عن اختفاء رجال الأعمال والمستثمرين من المشهد، وكأن ممارسة الأعمال والاستثمار أصبحت حقاً حصرياً لفئة بعينها، فهو بدوره خطاب لا يصمد أمام أبسط قواعد المنطق، فالاستثمار ليس تركة عائلية، ولا امتيازا شخصيا، ولا مجالا محفوظا بالأسماء والولاءات حتى يحق لأحد أن يدعي أنه كان موجودا ثم لم يعد كذلك، فالسوق مفتوح أمام الجميع، والفرص الاستثمارية ليست حكرا على أحد، وما عرفته العيون خلال السنوات الأخيرة هو، على العكس، فقد اتسعت دائرة الفاعلين الاقتصاديين وفتح المجال أمام بروز مستثمرين ومقاولين من أبناء المنطقة، ممن اختاروا أن يشقوا طريقهم بجهدهم وكفاءاتهم، وأن يساهموا في خلق الثروة وفرص الشغل، ولذلك فإن اختزال المشهد الاقتصادي في أسماء بعينها، أو تقديم غيابها المزعوم وكأنه دليل على تراجع الاستثمار، ليس سوى حنين إلى زمن الامتيازات في صورة دفاع عن الاقتصاد، فالذي يريد الاستثمار مرحب به، والذي يملك مشروعاً فليأتِ به، أما زمن اعتبار المجال الاقتصادي ملكية خاصة لبعض الأشخاص فقد ولى.

والأدهى من ذلك أن من يتحدث اليوم عن المال العام والحكامة مطالب أولا بأن يجيب عن الأسئلة المرتبطة بماضيه، قبل أن يوزع شهادات النزاهة على الآخرين، فمن أكل تركة الورثة من لحمه ودمه، لن يكون مؤتمنا على المال العام، ومن لم يصن حقوق أقرب الناس إليه، يصعب عليه أن يقنع الرأي العام بأنه سيكون أكثر حرصاً على صيانة حقوق عموم المواطنين، فالنزاهة لا تتجزأ، والأمانة لا تتغير بتغير طبيعة المال، ومن اعتاد الاستهانة بحقوق أقرب المقربين لا يمكنه أن يقدم نفسه فجأة باعتباره حارساً على المال العمومي، لذلك، فإن من يريد إعطاء الدروس في الحكامة والنزاهة، عليه أولا أن يجيب عن الأسئلة المرتبطة بسلوكه وتدبيره، قبل أن ينصب نفسه حكما على الآخرين.

أما مدينة العيون، فلا تحتاج إلى من يقدم لها دروسا في واقعها التنموي، فسكانها يعيشون تفاصيلها كل يوم، ويرون بأعينهم ما أنجز وما هو في طور الإنجاز، من مرافق وبنيات تحتية ومشاريع اجتماعية واقتصادية التي غيرت ملامح المدينة، ويستفيدون من الخدمات ذات الجودة العالية التي تقدمها مختلف المرافق العمومية، ولذلك فإن التنمية لا تحتاج إلى مرافعات خطابية ولا إلى حملات على مواقع التواصل، فالمشاريع موجودة على الأرض، والمواطن هو صاحب الحق في تقييمها، ومن هنا، فإن محاولة إغراق المشهد في الحروب الرقمية، والاستثمار في الإشاعة ومحاولات إرباك الرأي العام بالمعارك الافتراضية، لن تغير شيئا على أرض الواقع.

وكان بإمكان حسن الدرهم أن يقدم شيئا أكثر فائدة من كل هذا الضجيج: برنامجا انتخابيا واضحا، ورؤية قابلة للتنفيذ، وتصورا لمستقبل المدينة، وأجوبة صريحة عن انتظارات الساكنة، وكان بإمكانه أن يضع حصيلته السابقة أمام المواطنين، ويترك لهم الحكم عليها، فالسياسة ليست مسابقة في الصراخ، ولا بطولة في تسجيل المقاطع المثيرة، ولا محاولة مستمرة لتوزيع شهادات الوطنية والنزاهة على الخصوم، فمن يملك مشروعاً لا يحتاج إلى اختراع المعارك، ومن يملك الحجة لا يلجأ إلى الأكاذيب، ومن يملك الوثيقة لا يحتاج إلى الترويج للإشاعات.

وفي نهاية المطاف، ستبقى صناديق الاقتراع هي الحكم، لا الخرجات الإعلامية ولا الحملات الافتراضية ولا الخطابات الشعبوية، ومن يعتقد أن بمقدوره إقناع أهل العيون فليضع أمامهم مشروعه وحصيلته وبرنامجه، وليترك لهم وحدهم حق الحكم والاختيار، لأن الناخب ليس كتلة صماء تُقاد بالصراخ، ولا ذاكرة مثقوبة تُمحى بتسجيلات انفعالية، بل مواطن يرى ويسمع ويتابع ويقارن ويعرف جيداً الفرق بين من يملك حصيلة على الأرض، ومن لا يملك سوى فائض من الكلام، أما محاولة خلط الأوراق، وإغراق المشهد في السب والقذف والأراجيف واستدعاء المؤامرات كلما ضاقت سبل الإقناع، فلن تصنع من الفشل إنجازا، ولن تحول الضجيج إلى مصداقية، ولن تمحو ما تختزنه ذاكرة الناس، لأن السياسة ليست مسرحا لتقمص دور الضحية، والحقيقة لا تحتاج إلى مكبر صوت، والإنجاز لا يحتاج إلى صراخ، والمصداقية لا تُفرض بالقوة ولا تُنتزع بالافتراء، وعندما تُفتح صناديق الاقتراع يسقط كل ضجيج الخطابات، ويبقى صوت واحد لا يمكن التشويش عليه، صوت الناخب، وحكمه الذي لا يحتاج إلى وصاية ولا إلى تأويل.

وكما قال الشاعر :

ستعلم حين ينجلي الغبار أفرسٌ تحتك أم حمار

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل