اجتمع مجلس الأمن الدولي، الجمعة الماضي، في جلسة مغلقة لإجراء الجولة الثانية من “التصويت الاسترشادي” بشأن المرشحين لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في محطة جديدة من سباق دبلوماسي يتوقع أن يمتد لأسابيع، وربما لأشهر، قبل أن يستقر أعضاء المجلس الخمسة عشر على اسم يحظى بما يكفي من الدعم للعبور إلى الجمعية العامة.
هذه العملية تأتي في ظرف بالغ الحساسية بالنسبة إلى المنظمة الدولية، التي تواجه انقسامات حادة بين القوى الكبرى وضغوطا متزايدة لإصلاحها، فيما يستعد الأمين العام المقبل لتولي مهامه مطلع يناير 2027، حاملا معه ملفات نزاعات دولية معقدة، من بينها نزاع الصحراء الذي دخل خلال السنوات الأخيرة مرحلة سياسية مختلفة داخل مجلس الأمن.
وتكتسي الجولة التي أجريت الجمعة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد الجولة الأولى التي أجراها المجلس في 30 يوليوز الماضي، والتي أظهرت تقدما أوليا للمرشحة الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، المديرة السابقة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، بعدما حصلت على عشرة أصوات من فئة “التشجيع” متقدمة على وزيرة الخارجية الغويانية السابقة كارولين رودريغيز-بيركيت التي حصلت على تسعة أصوات.
وجاء الأرجنتيني رافاييل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في المرتبة الثالثة بسبعة أصوات، بيد أن هذه النتائج لا تعني حسم السباق، إذ إن الاقتراع الاسترشادي لا يشكل تصويتا نهائيا، وإنما وسيلة لقياس اتجاهات الدعم داخل المجلس والكشف تدريجيا عن المرشحين الأكثر قدرة على الاستمرار.
ويتم التصويت في هذه المرحلة بصورة سرية، إذ يختار كل عضو من أعضاء مجلس الأمن أحد ثلاثة خيارات بشأن كل مرشح “تشجيع” أو “عدم تشجيع”، أو “لا رأي”، حيث تظل هوية الدول التي أدلت بكل صوت غير معلنة، وهو ما يمنع في الجولات الأولى معرفة ما إذا كان التصويت السلبي صادرا عن إحدى الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، أم عن أحد الأعضاء المنتخبين، وفي مراحل متقدمة، يمكن اللجوء إلى أوراق اقتراع مختلفة الألوان تسمح بتحديد ما إذا كان أحد أعضاء مجموعة الدول الخمس قد وضع “فيتو” سياسيًا على أحد المرشحين.
وتكمن أهمية هذه الآلية في أن المرشح الذي يتصدر الاقتراع الاسترشادي لا يصبح تلقائيا الأمين العام المقبل، فالحسم الحقيقي يبدأ عندما يتبلور مرشح قادر على الحصول على تسعة أصوات على الأقل داخل مجلس الأمن، من دون أن يعترض عليه أي عضو من الأعضاء الخمسة الدائمين باستخدام حق النقض.
وبعد ذلك، يرفع المجلس توصيته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، المؤلفة من 193 دولة، للمصادقة على التعيين، حيث أن الطريق إلى الأمانة العامة لا يمر فقط عبر الحصول على أكبر عدد من الأصوات، بل عبر بناء صيغة توافقية تستطيع عبور ممر مجلس الأمن الضيق، حيث تظل حسابات واشنطن وموسكو وبكين وباريس ولندن حاسمة.
وتعكس هذه المنافسة، في جانب منها، أزمة أعمق تعيشها الأمم المتحدة نفسها، فغوتيريش سيغادر المنصب في نهاية ولايته الثانية، في وقت تواجه فيه المنظمة تراجعا في قدرة العمل متعدد الأطراف على إنتاج تسويات، وانقساما متزايدا داخل مجلس الأمن، فضلا عن ضغوط مالية وسياسية وإدارية دفعت إلى تصاعد الدعوات لإعادة هيكلة المنظمة وتقليص النفقات، حيث جعل ذلك من اختيار الأمين العام المقبل عملية سياسية تتجاوز الشخص المرشح إلى البحث عن شخصية تستطيع التعامل مع نظام دولي أكثر انقساما من أي وقت مضى.
ومن هذه الزاوية تحديدا تبرز قضية الصحراء ضمن الملفات التي ستختبر القيادة الأممية المقبلة، فالأمين العام الجديد لن يدخل إلى ملف بدأ من الصفر، وإنما سيرث مسارا سياسيا قطع أشواطا طويلة، وانتقل تدريجيا من التركيز على تنظيم “استفتاء لتقرير المصير” إلى البحث عن حل سياسي واقعي ومتوافق عليه وبعدها القرار الأممي رقم 2797 بخصوص مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
ومنذ إنشاء بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”، تعاقب على الملف عدد من المبعوثين والممثلين الخاصين للأمين العام، واختلفت المقاربات بحسب المرحلة وشخصية المسؤول الأممي وطبيعة التوازنات الدولية المحيطة بالنزاع.
ففي عهد الأمين العام الأسبق بطرس بطرس غالي، الذي تولى المنصب بين 1992 و1996، كان التركيز منصبا بدرجة كبيرة على تنفيذ خطة التسوية وتنظيم “الاستفتاء”، حيث أشرفت “المينورسو” على مسار تحديد هوية الناخبين، لكن الخلافات حول من يحق له المشاركة في الاستفتاء تحولت إلى عقبة مركزية عطلت تنفيذ الخطة وأظهرت محدودية المقاربة التقنية في معالجة نزاع ذي أبعاد سياسية وإقليمية عميقة.
ومع كوفي عنان، الذي تولى الأمانة العامة بين 1997 و2006، بدأت الأمم المتحدة تبحث بشكل أكثر وضوحا عن مخارج سياسية للانسداد، حيث كان تعيين وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر مبعوثا شخصيا للأمين العام إحدى أبرز محطات تلك المرحلة، إذ طرح بيكر عدة تصورات للحل، بما فيها صيغ للحكم الذاتي خلال مرحلة انتقالية قبل تقرير الوضع النهائي، لتنتهي مهمته بالاستقالة سنة 2004 نتيجة استمرار الخلاف بين الأطراف.
وفي عهد بان كي مون، بين 2007 و2016، استمرت الأمم المتحدة في محاولة إعادة إطلاق المفاوضات، خصوصا من خلال مبعوثه الشخصي كريستوفر روس، إذ شهدت تلك الفترة توترات سياسية بين الرباط والأمانة العامة للأمم المتحدة، بلغت إحدى ذرواتها سنة 2016، قبل أن يستمر الإطار الأممي نفسه في البحث عن حل سياسي للنزاع.
أما مرحلة أنطونيو غوتيريش، التي بدأت سنة 2017، فقد حملت محاولة واضحة لإعادة تحريك العملية السياسية على أساس الواقعية والبراغماتية والتوافق، حيث كان تعيين الألماني هورست كولر مبعوثا شخصيا للأمين العام محطة مهمة، إذ نجح في جمع المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا حول طاولة واحدة في جنيف، قبل أن يستقيل سنة 2019، وبعده تولى ستافان دي ميستورا المهمة سنة 2021، وواصل الاتصالات مع الأطراف والدول المعنية في محاولة لإعادة إطلاق المسار السياسي.
بيد أن المرحلة التي سيصل إليها الأمين العام المقبل تختلف بشكل جوهري عن تلك التي ورثها غوتيريش عند وصوله إلى المنصب، فمجلس الأمن نفسه غيّر، خلال السنوات الأخيرة، طبيعة النقاش السياسي حول النزاع، بالتوازي مع اتساع دائرة الدول التي عبرت عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وتعزز الموقف المغربي داخل عدد من العواصم الغربية والعربية والإفريقية.
ويبرز هنا القرار 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 باعتباره إحدى أبرز المحطات في هذا التحول، فالقرار، الذي جدد ولاية بعثة “المينورسو”، وضع مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 في موقع مركزي ضمن الإطار الذي تجري على أساسه المفاوضات، ودعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي الرامية إلى الدفع نحو حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق، إذ أشار القرار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي في ظل السيادة المغربية يمكن أن يمثل أحد الحلول القابلة للتنفيذ للنزاع.
وبذلك فان أهمية الأمين العام المقبل بالنسبة إلى المغرب، لا تتعلق بكون الأمين العام صاحب سلطة منفردة لحسم النزاع، فهذا الدور لا يملكه، وإنما بقدرته على إدارة الجهاز الأممي المسؤول عن متابعة الملف، وتنسيق عمل المبعوث الشخصي، وإعداد التقارير، والحفاظ على مسار المفاوضات ضمن الإطار الذي يحدده مجلس الأمن.



