في مدينة الداخلة، يبدو أن الخطاط ينجا قرر أن يدخل مرحلة جديدة من “الجماهيرية السياسية”، عبر تجمع لحزب الأصالة والمعاصرة أراد من خلاله أن يبعث برسالة واضحة: أنا هنا، وهذه جماهيري!
المشهد، في حد ذاته، يذكرنا بطريقة ساخرة بمعمر القذافي، الذي كان مولعا بالحديث عن الملايين والجماهير والزحف، قبل أن ينتهي به الأمر وحيدا في آخر المشهد، بعدما تبخرت تلك الملايين التي طالما تحدث باسمها.
وبحسب ما يتم تداوله محليا، فقد جرى استقطاب جل الحاضرين إلى التجمع مقابل 200 درهم للفرد. وإذا صح هذا المعطى، فإننا أمام نسخة انتخابية مغربية من الجماهيرية”.. لا تحتاج إلى أيديولوجيا ولا إلى مشروع سياسي، بقدر ما تحتاج إلى ظرف نقدي وحضور جماعي أمام الكاميرات!
وهنا يصبح السؤال أكثر طرافة:
هل ينجا يملك فعلا قاعدة انتخابية بهذا الحجم، أم أنه يملك فقط القدرة على تنظيم تجمع بهذا الحجم؟
فالفرق بين الأمرين كبير جدا.
يمكن أن تملأ ساحة بالناس، ويمكن أن تجعل المنصة تعج بالتصفيق، ويمكن أن تلتقط صورا من زوايا توحي بأن نصف الداخلة خرج لاستقبال الزعيم، لكن كل ذلك لا يساوي صوتا واحدا داخل صندوق الاقتراع.
القذافي نفسه كان بارعا في صناعة صورة القائد الذي تقف خلفه الجماهير، وظل يتحدث عن الملايين حتى جاءت لحظة الحقيقة. وحين سقطت السلطة، لم تنفعه لا الملايين التي كان يتحدث باسمها، ولا الشعارات التي ملأت الساحات، ولا الصور التي كانت تصنع حوله هالة الزعيم الذي لا يُهزم.
والدرس هنا بسيط؛ الجمهور الذي يملأ الساحة ليس بالضرورة جمهورا يملأ صناديق الاقتراع.
أما إذا كانت الجماهير تُستقطب بالمال، فهنا تصبح المسألة أكثر إثارة للسخرية؛ لأنك لا تعود أمام “قاعدة انتخابية” بالمعنى السياسي، وإنما أمام جمهور مؤقت ينتهي مفعوله بانتهاء المناسبة وانتهاء المقابل.
وهكذا قد تتحول عبارة “لدينا جماهيرية” إلى سؤال حسابي بسيط:
كم شخصا حضر مجانا؟
وكم شخصا حضر مقابل 200 درهم؟
وكم واحدا منهم سيصوت فعلا يوم الاقتراع؟
في السياسة، يمكن شراء الكراسي، واستئجار الحافلات، وتعبئة الساحات، وصناعة الصور… لكن هناك شيئا واحدا لا يمكن استئجاره وضمانه يوم الانتخابات: صوت الناخب.
ولهذا، فإن مقارنة ينجا بالقذافي قد تكون قاسية، لكنها تحمل مفارقة سياسية لافتة؛ كلاهما يراهن على قوة المشهد الجماهيري، فيما تبقى الحقيقة دائما في النهاية خارج المنصة.
فالقذافي قال ذات يوم: سنزحف عليهم بالملايين… وانتهى وحيدا.
أما ينجا، فعليه أن يثبت أن الجماهير التي زحفت إلى تجمعه ليست فقط جماهير الـ200 درهم، وأن الجماهيرية التي ظهرت أمام الكاميرات ستتحول فعلا إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.



