صراع الأجنحة يخرج إلى العلن في الجزائر.. الجنرالات ينقلبون على دائرة تبون ومحاكمة فريد بن الشيخ تكشف أكبر معركة تصفية نفوذ بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية

شطاري خاص4 يونيو 2026
صراع الأجنحة يخرج إلى العلن في الجزائر.. الجنرالات ينقلبون على دائرة تبون ومحاكمة فريد بن الشيخ تكشف أكبر معركة تصفية نفوذ بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية

تتزايد المؤشرات التي تشي بأن النظام الجزائري دخل مرحلة جديدة من الصراع الداخلي المفتوح بين مراكز النفوذ المتنافسة داخل السلطة، بعدما تحولت محاكمة المدير العام السابق للأمن الوطني، فريد زين الدين بن الشيخ، من ملف قضائي وأمني إلى مرآة تعكس حجم التوتر الذي يعتمل داخل قمة هرم الحكم بين الرئاسة الجزائرية بقيادة عبد المجيد تبون والمؤسسة العسكرية التي يقودها رئيس أركان الجيش، الفريق أول السعيد شنقريحة.

ففي الوقت الذي تعيش فيه الجزائر، منذ أشهر، على وقع تغييرات متلاحقة داخل أجهزة الأمن والاستخبارات وإقالات متكررة لمسؤولين نافذين، بدأت تتكشف تدريجيا معالم معركة نفوذ حقيقية تدور خلف جدران المؤسسات السيادية، عنوانها إعادة رسم موازين القوى داخل النظام السياسي والعسكري الجزائري، وسط مؤشرات متزايدة على أن المؤسسة العسكرية تسعى إلى تضييق الخناق على الحلقة المقربة من الرئيس تبون وإعادة الإمساك بمفاصل القرار الاستراتيجي في البلاد.

وتأتي هذه التطورات في ظل واحد من أكثر الفصول حساسية في تاريخ العلاقة بين الرئاسة والجيش، منذ وصول عبد المجيد تبون إلى السلطة أواخر سنة 2019، خاصة أن الصراع لم يعد مقتصرا على الخلافات المكتومة أو التسريبات الإعلامية المتبادلة، بل انتقل إلى ملفات قضائية وأمنية ذات أبعاد سياسية خطيرة يمكن أن تطال شخصيات تعتبر من الأعمدة الرئيسية التي يستند إليها الرئيس الجزائري في إدارة شؤون الدولة.

وفي قلب هذه المواجهة، برز اسم فريد زين الدين بن الشيخ، المدير العام السابق للأمن الوطني، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة من أحد أبرز رجال الدولة داخل المنظومة الأمنية إلى عنوان لصراع سياسي محتدم بين جناحين متنافسين داخل السلطة.

فالرجل الذي عينه تبون سنة 2021 على رأس المديرية العامة للأمن الوطني كان يمثل، وفق العديد من المتابعين، جزءا من مشروع إعادة ترتيب الأجهزة الأمنية الذي سعت الرئاسة إلى تنفيذه بعد سنوات طويلة من الهيمنة شبه المطلقة للمؤسسة العسكرية على الملفات الاستخباراتية والأمنية الحساسة.

وخلال فترة توليه المسؤولية، عُرف بن الشيخ بمواقفه المؤيدة لإعادة توحيد أجهزة الاستخبارات الجزائرية، التي شهدت خلال العقد الأخير عمليات تفكيك وإعادة هيكلة متتالية، كما كان من المدافعين عن توسيع دور الرئاسة وجهاز الشرطة في تدبير الملفات الأمنية الكبرى، وهو ما اعتبرته دوائر نافذة داخل الجيش تهديدا مباشرا لنفوذها التاريخي داخل الدولة.

لكن العامل الذي عجّل بسقوط الرجل، بحسب معطيات متداولة داخل الأوساط السياسية الجزائرية، لم يكن مرتبطا فقط بخياراته الأمنية، بل أيضا بعلاقته الوثيقة بمدير ديوان الرئاسة، بوعلام بوعلام، الذي يُنظر إليه منذ سنوات باعتباره الرجل الأكثر تأثيرا داخل محيط الرئيس تبون وصاحب النفوذ الأقوى داخل القصر الرئاسي.

وتشير المعطيات ذاتها إلى أن قيادة الجيش كانت تنظر بعين الريبة إلى تنامي نفوذ بوعلام بوعلام داخل أجهزة الدولة، خاصة بعدما أصبح يُتهم بالتدخل في ملفات أمنية وقضائية تعتبر تقليديا ضمن المجال المحفوظ للمؤسسة العسكرية.

وفي هذا السياق، جرى إعفاء فريد بن الشيخ من منصبه سنة 2024، قبل أن يتم اعتقاله في أكتوبر من العام نفسه وإحالته على التحقيق من طرف المديرية المركزية لأمن الجيش، في خطوة اعتبرها كثيرون بداية مواجهة مباشرة بين الرئاسة وقيادة الأركان.

غير أن ما حول القضية إلى أزمة سياسية حقيقية هو المسار الذي أخذته المحاكمة أمام المحكمة العسكرية بالبليدة. فبينما كان يُفترض أن تشكل جلسات المحاكمة فرصة لحسم الملف قضائيا، تحولت القضية إلى مصدر قلق متزايد داخل الرئاسة الجزائرية بسبب المخاوف من أن تؤدي التحقيقات والشهادات إلى كشف تفاصيل محرجة تتعلق بطريقة إدارة السلطة داخل الدولة والعلاقات المعقدة بين القصر الرئاسي والأجهزة الأمنية.

وأشارت تقارير إعلامية جزائرية معارضة إلى أن فريد بن الشيخ أقر خلال التحقيقات بأنه كان ينفذ تعليمات تصله من الرئيس تبون عبر مدير ديوانه بوعلام بوعلام، وهو ما يفسر، وفق هذه الروايات، حجم التوتر الذي يرافق المحاكمة وحالة الاستنفار التي تعيشها دوائر الرئاسة.

وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى طبيعة القضايا التي يُقال إن بن الشيخ كان يتابعها بتوجيه من الرئاسة، والتي شملت ملفات تتعلق ببعض الجنرالات النافذين داخل المؤسسة العسكرية، وتسريبات معلومات إلى الخارج، وصراعات إعلامية وأمنية مع شخصيات محسوبة على أجهزة الاستخبارات.

ويرى متابعون للشأن الجزائري أن مجرد تداول مثل هذه الاتهامات يعكس حجم الشرخ الذي أصبح يفصل بين معسكري الرئاسة والجيش، خاصة في ظل شعور المؤسسة العسكرية بأن نفوذها داخل الدولة بات مستهدفا من طرف الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس.

وفي خضم هذه التطورات، برز خلال الأسابيع الأخيرة غياب لافت لمدير ديوان الرئاسة، بوعلام بوعلام، عن المشهد العام، بعدما كان يعد أحد أكثر المسؤولين حضورا في الأنشطة الرسمية واللقاءات السياسية الكبرى.

وتربط مصادر سياسية وإعلامية جزائرية هذا الاختفاء المفاجئ بالتطورات المرتبطة بمحاكمة فريد بن الشيخ، معتبرة أن بوعلام بوعلام أصبح بدوره محل استهداف من طرف المؤسسة العسكرية، التي تتهمه بالتدخل في عمل القضاء العسكري ومحاولة التأثير على القضاة المكلفين بالقضية.

وتضيف هذه المصادر أن قيادة الجيش لم تعد تخفي انزعاجها من الدور الذي كان يلعبه مدير الديوان الرئاسي في إدارة الملفات الحساسة، خصوصا عبر محمد حمّوش، المستشار القانوني والقضائي بالرئاسة، الذي كان يؤدي دور الوسيط بين القصر الرئاسي والمحكمة العسكرية بالبليدة.

وتزامنت هذه التطورات مع واقعة غير مسبوقة شهدتها الجزائر خلال شهر ماي الماضي، عندما نُشر مرسوم رئاسي يقضي بإعفاء ثلاثة مستشارين بارزين من الرئاسة، قبل أن تعود الرئاسة نفسها بعد أيام لتنفي رسميا صدور هذه الإعفاءات، رغم نشرها في الجريدة الرسمية.

وقد أثارت هذه الحادثة موجة واسعة من التساؤلات داخل الجزائر بشأن طبيعة مراكز القرار الحقيقية داخل النظام، خاصة أن أحد المسؤولين الذين شملهم قرار الإعفاء كان محمد حمّوش، المستشار المقرب من بوعلام بوعلام والمرتبط مباشرة بملف فريد بن الشيخ.

وهذا التناقض يعكس وجود حالة ارتباك غير مسبوقة داخل مؤسسات الحكم، كما يكشف عن وجود مراكز نفوذ متنافسة أصبحت قادرة على فرض قرارات متعارضة داخل الدولة نفسها. غير أن جذور الأزمة الحالية تعود، في الواقع، إلى ما قبل ذلك بكثير.

ففي نهاية سنة 2025، اندلع خلاف حاد بين الرئيس تبون ورئيس الأركان السعيد شنقريحة حول مشروع تعديل دستوري كانت الرئاسة تسعى إلى تمريره تحت عنوان “تعديلات تقنية”، بينما اعتبره خصومها محاولة لفتح الطريق أمام تمديد الولاية الرئاسية الحالية أو التمهيد لعهدة ثالثة مستقبلا.

وقد بلغ ذلك الخلاف مستوى غير مسبوق عندما غاب شنقريحة عن اجتماع مجلس الوزراء المخصص لدراسة المشروع، في خطوة فُسرت داخل الجزائر على أنها رسالة سياسية مباشرة إلى الرئيس تبون.

وأحدثت تلك المقاطعة حالة ذعر حقيقية داخل الدائرة الرئاسية، قبل أن تتدخل شخصيات نافذة لاحتواء الأزمة والوصول إلى تسوية أبقت على التعديلات الدستورية، لكنها أسقطت أي إشارات يمكن أن تُفهم على أنها تمهيد لتمديد الحكم.

واليوم، وبعد أشهر من تلك المواجهة، تبدو المؤسسة العسكرية وكأنها انتقلت من مرحلة احتواء نفوذ الرئاسة إلى مرحلة تفكيك الدائرة المحيطة بها. فالمعطيات المتراكمة خلال الأسابيع الأخيرة، من اختفاء بوعلام بوعلام إلى الجدل حول إعفاء المستشارين الرئاسيين، وصولا إلى التطورات المرتبطة بمحاكمة فريد بن الشيخ، توحي بأن الجنرالات بصدد تنفيذ عملية إعادة تموضع واسعة داخل النظام تهدف إلى تحجيم نفوذ رجال تبون وإعادة تكريس مركزية المؤسسة العسكرية باعتبارها الفاعل الأقوى في المشهد الجزائري.

وفي حال استمرت هذه الدينامية بالوتيرة نفسها، فإن الجزائر قد تكون مقبلة على واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية منذ سنوات، حيث لم يعد الصراع يدور حول السياسات العمومية أو الخيارات الاقتصادية والدبلوماسية، بل أصبح يتعلق مباشرة بمن يمتلك السلطة الحقيقية داخل الدولة، ومن يحدد مستقبل النظام في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الداخلية والتحديات الإقليمية المحيطة بالبلاد.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل