لم يكن اجتماع وكلاء لوائح الانتخابات مع والي جهة العيون مجرد لقاء عادي، حيث تحول، بحسب ما صدر خلاله من مداخلات، إلى مشهد كاشف عن ارتباك في فهم الاختصاصات وحدود المسؤوليات. فقد اختار حسن الدرهم أن يرفع سقف تدخله مطالبا بمراقبة ما سماه «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية»، بينما يبدو أن المقصود في جوهر كلامه كان تدبيراً تنموياً آخر يدخل ضمن اختصاصات الجماعة الترابية. وهنا تبدأ الحكاية؛ حين تختلط المسميات، تختلط معها المسؤوليات.
المشكلة ليست في المطالبة بالمراقبة، فالمراقبة مطلب مشروع، وإنما في أن تتحول الرغبة في المحاسبة إلى خلط بين مؤسسات وبرامج واختصاصات مختلفة. فـ”المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” إطار وبرنامج مؤسساتي له آلياته ومجالات تدخله، بينما تدبير الشأن المحلي داخل الجماعة الترابية له مؤسساته واختصاصاته وأجهزته المنتخبة، والفرق بين الاثنين ليس تفصيلا لغويا حتى يتم تجاوزه في مداخلة سياسية، فهو صلب قواعد الحكامة وتحديد المسؤوليات.
وإذا كان الهدف هو مساءلة جهة معينة عن تدبير ملفات الجماعة، فالأولى أن توجه الأسئلة إلى المؤسسة المعنية، وبالآليات القانونية والمؤسساتية المتاحة، بدل محاولة تحميل الولاية ما ليس من اختصاصها.
فالوالي ليس طرفا في نزاع انتخابي محلي، ولا ينبغي أن يتحول اجتماع إداري إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية أو لإقحام سلطة الدولة في خصومة بين فاعلين محليين.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الخطاب يعطي الانطباع بأن المتحدث نفسه لم يحسم في ذهنه.. من المسؤول عن ماذا؟ ومن يملك سلطة القرار في كل ملف؟
وعندما تضيع الحدود بين الاختصاصات، يصبح من السهل إطلاق الاتهامات، لكن يصبح من الصعب جدا الوصول إلى الحقيقة. فالسياسة ليست برفع الصوت، والحكامة ليست بكثرة الشعارات، والمساءلة لا تستقيم من دون معرفة دقيقة بالجهة التي ينبغي مساءلتها، وهو ما يجعله “الدرهم” الذي يحاول أن يسوق أنه فيلسوف وحكيم زمانه.
ولعل ما حدث يكشف أيضا عن خلفية سياسية لا يمكن تجاهلها. فالصراع المستمر بين حسن الدرهم ورئيس الجماعة حمدي ولد الرشيد يجعل أي محاولة لإقحام والي الجهة في هذا الخلاف خطوة شديدة الحساسية، لأن مؤسسة الوالي يفترض أن تظل فوق التجاذبات الانتخابية، وأن تعامل مختلف الفاعلين بالمسافة نفسها، لا أن تصبح ورقة في معركة سياسية محلية.
لكن حين تكون الأوراق مختلطة، قد ينقلب السحر على الساحر؛ فبدل أن يخرج المتحدث بصورة السياسي الذي يطرح أسئلة دقيقة ومحرجة، قد يجد نفسه أمام سؤال أكثر إحراجا:
هل يعرف فعلا الجهة والمؤسسة والبرنامج الذي يطالب بمراقبته؟ وهل كان حديثه موجها إلى عنوان صحيح أم أن الغضب السياسي سبقه إلى المنصة قبل أن تسبقه المعلومة؟
إن الفرق بين رجل سياسة يعرف ما يريد، وشخص تحركه الخصومة، يظهر تحديدا في مثل هذه اللحظات.
الأول يسمي المؤسسات بأسمائها، ويحدد المسؤوليات بدقة، ويقدم حججا ووثائق، ثم يطالب بالمحاسبة.
أما الثاني فيخلط الملفات، ويجمع بين اختصاصات متباعدة، ثم يحاول دفع السلطة الإدارية إلى الدخول في معركة ليست معركتها.
والأكثر إثارة للسؤال هو: ماذا كان يريد الدرهم تحديدا من والي الجهة؟
إذا كان يريد مراقبة تدبير الجماعة، فليقل ذلك صراحة وليقدم ما لديه من معطيات، وليحتكم إلى المؤسسات والآليات القانونية، أما إذا كان يريد استدراج الوالي إلى مواجهة مع رئيس الجماعة، فذلك سيكون انحرافا عن وظيفة الاجتماع وتحويله من فضاء للنقاش العام إلى ساحة إضافية للصراع الانتخابي.
في نهاية المطاف، لا تحتاج العيون إلى مزيد من خلط الأوراق، وإنما إلى وضوحها.
تحتاج إلى سياسيين يميزون بين الولاية والجماعة، وبين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وبرامج التنمية الجماعية، وبين المراقبة المؤسساتية والمواجهة السياسية؛ فالمدينة وأهلها يستحقون نقاشا يرتكز على الوقائع والاختصاصات والنتائج، لا على رفع الصوت ومحاولة تحميل كل مؤسسة مسؤولية كل شيء.
وإذا كان حسن الدرهم يريد فعلا فتح ملفات التنمية والمساءلة، فالباب مفتوح أمامه.. أسماء، أرقام، وثائق، اختصاصات، وأسئلة محددة.
أما أن تختلط المؤسسات بالبرامج، وأن يستدعى والي الجهة إلى قلب صراع انتخابي محلي، ثم يكتشف أن نقطة الانطلاق نفسها قامت على خلط في المفاهيم، فهذه ليست قوة في الموقف، وإنما ثغرة تكشف أن الأوراق لم تكن مرتبة قبل أن يبدأ اللعب بها.



