في الحياة العامة، لا يكفي أن يتقن المرء فن الخطابة حتى يكتسب سلطة أخلاقية تخوله محاسبة الآخرين. فالسياسة ليست مسرحا للكلمات المجردة، وإنما مجال تتقاطع فيه المسؤولية مع الذاكرة الجماعية، وتصبح فيه المواقف السابقة جزء من أي حكم يصدره الفاعل السياسي على غيره.
حين يختار مسؤول أو منتخب سابق أن يرفع سقف الاتهامات في وجه خصومه أو منافسيه، فإن أول ما يواجهه ليس ردود أفعالهم، وإنما أسئلة الرأي العام حول مدى انسجام خطابه الحالي مع مساره السابق. فالمصداقية لا تولد من قوة العبارات، وإنما من قدرة صاحبها على تقديم نموذج متماسك بين القول والفعل.
إن أخطر ما يواجه الحياة السياسية هو ازدواجية المعايير. ذلك أن المواطن قد يتسامح مع الخطأ، وقد يغفر التقصير، لكنه نادرا ما يغفر التناقض. وحين يشعر الناس أن بعض السياسيين يطالبون غيرهم بما لم يلتزموا به هم أنفسهم، فإن الثقة العامة تتآكل تدريجيا وتتحول السياسة إلى ساحة للشك بدل أن تكون فضاء للأمل.
لقد أصبح الرأي العام أكثر وعيا من أي وقت مضى. لم تعد الشعارات الكبيرة قادرة على حجب الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحصيلة والإنجاز والوفاء بالوعود. فالمواطن لا يبحث عن خطب نارية بقدر ما يبحث عن نتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية.
وفي الأقاليم الجنوبية كما في غيرها من مناطق المملكة، أصبح معيار الحكم على الفاعلين العموميين مرتبطا بما يقدمونه للساكنة من مشاريع وفرص تنمية واستثمار وتشغيل. فالناس تقيس النجاح بما يتحقق على الأرض لا بما يقال فوق المنصات.
ومن الطبيعي أن تختلف الآراء حول السياسات العمومية وحول طريقة تدبير الشأن المحلي. فالاختلاف جزء من الممارسة الديمقراطية، غير أن هذا الاختلاف يفقد قيمته عندما يتحول إلى تصفية حسابات أو إلى محاولة احتكار الحقيقة وإلغاء كل اجتهاد مخالف.
إن النقد السياسي الناضج لا يكتفي بإدانة الآخرين، وإنما يبدأ بمراجعة الذات، وكل فاعل عمومي مطالب بأن يجيب عن الأسئلة المرتبطة بمساره قبل أن يطالب غيره بالإجابة عن أسئلته الخاصة.
فالذاكرة السياسية لا تموت، والتاريخ المحلي يحتفظ بالتفاصيل التي قد يحاول البعض تجاوزها أو تجاهلها. ولذلك فإن أي خطاب جديد يظل محكوما بمدى انسجامه مع ما سبقه من مواقف وتجارب ومسؤوليات.
ومن المؤسف أن يتحول النقاش العمومي أحيانا إلى تبادل للاتهامات بدل التنافس حول البرامج والرؤى. فالمواطن لا يستفيد من الصراعات الشخصية بقدر ما يستفيد من الأفكار القادرة على خلق التنمية وتحسين الخدمات وتعزيز الاستثمار.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات لا تتقدم بالصخب السياسي، وإنما تتقدم بقدرة مؤسساتها ومنتخبيها على إنتاج حلول واقعية للمشكلات المطروحة. وكل خطاب يبتعد عن هذا الهدف يتحول إلى عبء على الحياة العامة مهما بدا جذابا في ظاهره.
إن المسؤولية السياسية هي التزام دائم أمام المواطنين. ومن شغل مواقع القرار في الماضي يبقى مطالبا بتقديم حصيلة واضحة حول ما أنجزه وما أخفق فيه، لأن المحاسبة لا تسقط بالتقادم الأخلاقي.
كما أن النزاهة الفكرية تقتضي الاعتراف بأن التنمية عملية تراكمية يشارك فيها الجميع، ولا يمكن اختزالها في شخص أو تيار أو جهة معينة. فكل نجاح جماعي هو ثمرة جهود متعددة ومتشابكة.
وحين يغيب هذا الوعي، يصبح الخطاب السياسي أسير النزعة الفردية التي تجعل البعض يتحدث وكأنه المالك الوحيد للحقيقة أو الوصي الوحيد على مصالح المواطنين.
إن المجتمعات التي تحترم نفسها لا تبني أحكامها على الانفعالات العابرة، وإنما على الوقائع والحصائل والمؤشرات القابلة للقياس؛ ولذلك فإن أي نقاش جاد يجب أن ينطلق من الأرقام والنتائج لا من المواقف الشخصية.
كما أن احترام ذكاء المواطنين يقتضي مخاطبتهم بلغة المسؤولية لا بلغة الإثارة. فالساكنة أصبحت تدرك الفرق بين من يقدم حلولا ومن يكتفي بإنتاج الضجيج.
وقد أثبتت التحولات الأخيرة أن الناخب لم يعد ذلك المتلقي السلبي الذي يصدق كل ما يسمع. لقد أصبح قادرا على المقارنة بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود والنتائج، وبين الادعاءات والواقع.
إن قوة المسؤول الحقيقي لا تظهر في قدرته على مهاجمة الآخرين، بقدر قدرته على الدفاع عن حصيلته بثقة وشفافية. فالحصيلة هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى مترجم.
وحين يغيب الحديث عن الإنجازات ويحل محله التركيز على الأشخاص، فإن النقاش يفقد جوهره ويتحول إلى سجال عقيم لا يضيف شيئا للمصلحة العامة.
إن الأقاليم الجنوبية بحاجة إلى مزيد من المشاريع والاستثمارات وفرص الشغل، لا إلى مزيد من الصراعات السياسية التي تستهلك الوقت والطاقة دون أن تقدم إضافة حقيقية للمواطن.
ومن حق الساكنة أن تسأل كل الفاعلين العموميين، سواء كانوا في مواقع المسؤولية اليوم أو كانوا فيها بالأمس، عما قدموه فعليا لخدمة التنمية المحلية، وأعتقد أن الإجابة هنا واضحة لا يمكن يمكن إخفاؤها بغربال.
فالديمقراطية ليست حقا في الكلام فقط.. هي أيضا واجب في تقديم الحساب. وكل من اختار العمل في الشأن العام قبل ضمنيا الخضوع لتقييم المواطنين ومساءلتهم.
ولذلك فإن الخطابات التي تهاجم الآخرين دون أن تقدم أجوبة واضحة عن الأسئلة المتعلقة بالحصيلة تبقى ناقصة مهما بلغت درجة حدتها أو انتشارها.
إن المستقبل لا يصنعه من يكثرون من الخصومات.. يصنعه من يمتلكون رؤية وقدرة على الإنجاز والعمل المشترك. فالتنمية لا تنمو في مناخ التوتر الدائم.
كما أن الحكمة السياسية تقتضي التمييز بين النقد البناء والنقد الهدام. الأول يهدف إلى الإصلاح، أما الثاني فيسعى فقط إلى التشويش وإثارة الجدل.
ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تجعل المصلحة العامة فوق الحسابات الفردية، وتجعل الحوار حول المشاريع أهم من الصراع حول الأشخاص.
إن المواطن البسيط لا يعنيه من ينتصر في المعارك الكلامية، بقدر ما يعنيه أن يجد فرصة عمل وخدمة عمومية جيدة ومحيطا اقتصاديا يساعده على بناء مستقبله.
ولذلك فإن قيمة أي فاعل سياسي تقاس بقدر ما يتركه من أثر إيجابي في حياة الناس، لا بقدر ما يطلقه من تصريحات مثيرة أو مواقف صدامية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة السياسية أكثر تعقيدا من الشعارات. فالمصداقية تبنى عبر السنوات ولعل هذا ما فعله “أهل الرشيد”، والثقة تكتسب بالأفعال، والاحترام ينتج عن الانسجام بين الخطاب والممارسة.
أما التاريخ، فإنه يظل الحكم الأكثر صرامة بين الجميع، لأنه لا ينظر إلى ما قيل فقط، بل إلى ما أُنجز بالفعل على أرض الواقع.
ولهذا فإن أي خطاب نقدي يفقد الكثير من قوته عندما لا يرافقه استعداد مماثل لقبول النقد والمساءلة. فالمحاسبة قيمة شاملة لا تستثني أحدا، كما هو الحال لولد احماد.
وتبقى المصلحة العليا للمواطنين هي المعيار الذي ينبغي أن يحتكم إليه الجميع، بعيدا عن الضجيج السياسي وبعيدا عن المعارك الشخصية التي لا تنتج تنمية ولا تصنع مستقبلا.
حسن الدرهم وخطاب المظلومية المتأخر



