الجزائر تبعث وفدا أمنيا إلى باريس يضم أهم قيادات أجهزة الأمن والمخابرات بحثا عن “صيد المعارضين” على الأراضي الفرنسية

شطاري خاص2 يونيو 2026
الجزائر تبعث وفدا أمنيا إلى باريس يضم أهم قيادات أجهزة الأمن والمخابرات بحثا عن “صيد المعارضين” على الأراضي الفرنسية

بدأت الجزائر، بشكل رسمي، مسار ترميم علاقاتها مع فرنسا بعد نحو عامين من واحدة من أسوأ الأزمات الدبلوماسية التي عرفتها العلاقات بين البلدين خلال العقود الأخيرة، بسبب إعلان باريس دعمها للرباط في ملف الصحراء، وهو الموقف الذي كان قد أثار غضب الجزائر بشكل كبير ودفعها لاتخاذ مجموعة من المواقف “العدائية” تُجاه فرنسا.

وفي هذا السياق، حل وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود، اليوم الاثنين، في أول زيارة لمسؤول جزائري رفيع المستوى إلى فرنسا منذ اندلاع الأزمة الدبلوماسية بين البلدين في صيف سنة 2024، في خطوة تشير إلى أن الجزائر حسمت في مسألة ترميم علاقتها مع فرنسا بعيدا عن ملف الصحراء الذي كانت تضعه في مقدمة أي نقاش حول إصلاح العلاقات الثنائية مع باريس.

ووفق ما أوردته الصحافة الفرنسية ونظيرتها الجزائرية، فإن كلا البلدين لم يشيرا لا من قريب أو من بعيد لملف الصحراء في النقاشات المرتقبة بين وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز ونظيره الجزائري، لافتة إلى أن قضايا الهجرة والأمن وبعض القضايا الأخرى، مثل اعتقال الصحفي الفرنسي في الجزائر، كريستوف غليز، ستكون أبرز الملفات ثنائية النقاش بين الطرفين.

وتكشف الزيارة الحالية التي يقوم بها الوزير الجزائري إلى باريس، وما سبقها من اتصالات وزيارات متبادلة خلال الأشهر الأخيرة، أن الجزائر بدأت فعليا في فصل خلافها مع فرنسا بشأن قضية الصحراء عن بقية الملفات الثنائية التي تفرض ضرورات التعاون والتنسيق بين البلدين.

ويبدو أن السلطات الجزائرية باتت تدرك أكثر من أي وقت مضى أن ربط ملف الصحراء بملفاتها العالقة مع فرنسا لن يؤدي إلى أي نتيجة، وهو ما يدفعها اليوم إلى معالجة الملفات الأمنية والهجرية والاقتصادية والقضائية بشكل مستقل عن هذا الملف، بعدما راهنت لفترة طويلة على استخدامه كورقة للضغط السياسي ضد باريس.

كما تشيرهذه العودة التدريجية إلى الحوار من طرف الجزائر إدراكا متزايدا لدى صناع القرار في هذا البلد بأن الموقف الفرنسي من قضية الصحراء لم يعد مطروحا للمراجعة، بل أصبح جزءا من توجه استراتيجي أوسع تتبناه باريس تجاه المملكة المغربية، ويتماشى أيضا مع التوجه الدولي الداعم لإنهاء نزاع الصحراء وفق مقترح الحكم الذاتي المغربي.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن هذه التحولات تأتي في وقت يتواصل فيه اتساع دائرة الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي المغربي، بعدما أعلنت عدة قوى دولية كبرى خلال السنوات الأخيرة تأييدها للمبادرة المغربية باعتبارها أساسا جديا وواقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع.

وجددت أغلب الدول الداعمة لإنهاء نزاع الصحراء وفق مقترح الحكم الذاتي المغربي، في الشهور الأخيرة، وقد تزايد هذا الدعم منذ صدور قرار مجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2025، عندما دعا الأطراف المعنية بالنزاع للتفاوض على المقترح المغربي، وهو المقترح الذي تدعمه الولايات المتحدة الأمريكية بقوة وتشرف على مفاوضات لتنزيله على أرض الواقع.

وتجدر الإشارة إلى أن الجزائر كانت ترفض إلى وقت قريب مقترح الحكم الذاتي المغربي لحل نزاع الصحراء، وكانت قد دخلت في أزمة حادة مع إسبانيا ثم فرنسا بعد إعلان دعمها للمقترح، وقد سحبت سفيرها أولا من إسبانيا ومارست عدة ضغوطات على مدريد منذ 2022 لدفعها للتراجع عن موقفها دون أن تنجح في ذلك، لتضطر لترميم علاقتها من جديد مع إسبانيا.

كما أن التحاق فرنسا بركب الدول الداعمة لمقترح الحكم الذاتي المغرب في صيف 2024 كان قد أثار غضب الجزائر، التي اعتبرت الخطوة انحيازا واضحاً للمغرب في ملف ظل يشكل أحد أبرز محددات السياسة الخارجية الجزائرية في المنطقة، وسارعت السلطات الجزائرية حينها إلى سحب سفيرها من باريس، لتدخل العلاقات الثنائية في مرحلة غير مسبوقة من التوتر.

ولم يقتصر الرد الجزائري على الإجراءات الدبلوماسية فقط، بل امتد إلى ملفات أخرى مرتبطة بالتعاون الثنائي، حيث اتخذت الجزائر مواقف متشددة تجاه فرنسا، خاصة في ملف الهجرة، إذ رفضت في عدة مناسبات استقبال بعض رعاياها المرحّلين من الأراضي الفرنسية، ما خلق أزمات متكررة بين الحكومتين.

كما شهدت تلك المرحلة تبادل تصريحات حادة بين مسؤولين من البلدين، في وقت رأت فيه أوساط سياسية فرنسية أن الجزائر تحاول استخدام ملفات التعاون الأمني والهجرة كورقة ضغط لدفع باريس إلى مراجعة موقفها من قضية الصحراء.

ومع مرور الأشهر، تراكمت ملفات الخلاف بين الطرفين لتتجاوز قضية الصحراء، إذ تحولت الأزمة إلى مواجهة سياسية ودبلوماسية متعددة الأبعاد، شملت قضايا الأمن والتعاون القضائي والهجرة وملفات تتعلق بحرية التعبير.

ومن أبرز القضايا التي ساهمت في تعقيد العلاقات بين البلدين قضية الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال، الذي اعتقلته السلطات الجزائرية في خضم الأزمة، قبل أن يُفرج عنه العام الماضي بعد وساطة قادها الرئيس الألماني، في خطوة اعتُبرت آنذاك مؤشرا على استعداد الجزائر لتخفيف بعض التوترات الخارجية.

ورغم الإفراج عن صنصال، فإن ملفات أخرى ما تزال عالقة بين باريس والجزائر، وعلى رأسها قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، الذي لا يزال رهن الاعتقال في الجزائر، وسط مطالب فرنسية متواصلة بالإفراج عنه.

ومن المتوقع أن تشكل قضية غليز أحد أبرز الملفات التي سيطرحها وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز خلال مباحثاته مع نظيرخ، في إطار الجهود الرامية إلى إعادة بناء الثقة بين البلدين بعد سنوات من القطيعة السياسية، لكن هذه المرة بدون أي إقحام لملف الصحراء المغربية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


عاجل