كشفت الولايات المتحدة، أنها لا تبدو مستعجلة لتعيين سفير جديد لها في الجزائر، بعدما أعلن القائم بالأعمال الأمريكي مارك شابيرو أن إدارته للسفارة قد تستمر “عدة أشهر وربما سنة كاملة”، وذلك في وقت تقود فيه واشنطن بنفسها حراكا سياسيا غير مسبوق حول ملف الصحراء دفع الجزائر إلى تخفيف نبرة خطابها والترحيب لأول مرة بمسار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة والأمم المتحدة بعد سنوات من التشدد والرفض.
وجاء تصريح شابيرو في فيديو نشرته السفارة الأمريكية بالجزائر، خصص للرد على أسئلة مواطنين جزائريين بشأن سبب غياب سفير أمريكي منذ مغادرة السفيرة السابقة إليزابيث مور أوبين نهاية السنة الماضية، غير أن أهم ما حمله الظهور لم يكن تطمينه بأن الوضع “طبيعي” بل إقراره بأن هذا الوضع قد لا يكون انتقاليا قصيرا وأن السفارة يمكن أن تظل تحت إدارة قائم بالأعمال لفترة طويلة قد تصل إلى سنة كاملة.
ويكتسي هذا التصريح أهمية خاصة بالنظر إلى أن منصب السفير يمثل أعلى تمثيل دبلوماسي للدولة في الخارج، كما أن الإدارات الأمريكية عادة ما تسارع إلى تعيين سفرائها في الدول التي تعتبرها أولوية سياسية أو استراتيجية، الأمر الذي يجعل استمرار إدارة السفارة الأمريكية بالجزائر عبر قائم بالأعمال لفترة قد تمتد إلى سنة كاملة موضوعا مفتوحا للتأويلات بشأن ترتيب الأولويات داخل السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.
وحاول شابيرو أن يخفف من وقع هذه الرسالة حين أكد أن الجزائر “مهمة جدا” بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، وأن العلاقات بين البلدين صارت “أوسع وأعمق” مما كانت عليه في السابق لكنه، في الوقت نفسه كشف أن واشنطن قادرة على تدبير هذا العمق المعلن من دون سفير معتمد، في مفارقة دبلوماسية لافتة بين خطاب التأكيد على الأهمية وبين واقع التمثيل السياسي الناقص.
وفي ما يشبه عملية تواصلية موجهة للرأي العام الجزائري، استخدم شابيرو بعض الكلمات باللغة العربية خلال الفيديو، مؤكدا أن أولوياته خلال المرحلة المقبلة ستنصب على تعزيز المبادلات التجارية وتقوية الشراكة الأمنية وتوسيع التعاون الإنساني والثقافي، معتبرا الجزائر “شريكا حاسما” للولايات المتحدة في هذه المنطقة من العالم.
وتزداد دلالة هذا التطور حين يوضع في سياقه الإقليمي الأوسع، خصوصا بعد التحرك الأمريكي المكثف في ملف الصحراء الذي نقل واشنطن من موقع الداعم السياسي لمبادرة الحكم الذاتي إلى موقع الراعي النشط لمسار تفاوضي جديد، أعاد الجزائر نفسها إلى طاولة النقاش ولو بصفة “مراقب” كما تصر على القول فقد نجحت الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة، في جمع ممثلين عن المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا بعد سنوات من الجمود في مسار انطلق بلقاءات تمهيدية ثم انتقل إلى جولات أكثر حساسية تحت رعاية أمريكية وأممية مشتركة.
واللافت أن هذا الحراك الأمريكي لم ينعكس فقط على هندسة المسار التفاوضي، بل بدأ يترك أثره على اللغة الجزائرية الرسمية نفسها سيما بعدما خرج وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في كلمة بمناسبة يوم إفريقيا ليعلن ترحيب بلاده بـ “المسار التفاوضي” الذي أطلق مطلع السنة تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة، معتبرا أن التطورات الأخيرة تؤكد حسب طرح الجزائر أهمية المفاوضات المباشرة بين “طرفي النزاع” أي المغرب وجبهة البوليساريو.
غير أن أهمية تصريح عطاف تكمن في انتقال اللهجة الجزائرية من خطاب التصعيد والرفض والتشكيك إلى خطاب الترحيب الحذر بمسار تفاوضي ترعاه واشنطن فالجزائر التي ظلت لسنوات ترفض تقديم نفسها كطرف في النزاع وتقاوم كل محاولة لإدخالها في هندسة الحل أصبحت اليوم مضطرة إلى مباركة مسار تفاوضي تديره الولايات المتحدة، وإلى تبرير حضورها فيه بصفة “دولة مجاورة ومراقبة” لا بصفة طرف معني مباشرة.
وقال عطاف إن الجزائر مثل موريتانيا، تشارك في هذا المسار بصفتها بلدا مجاورا ومراقبا للعملية السياسية الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين المغرب وجبهة البوليساريو، وهو توصيف يحمل في ذاته محاولة مزدوجة للحفاظ على الرواية الجزائرية القديمة التي تنفي صفة الطرف عن الجزائر، وفي الوقت نفسه تجنب الاصطدام المباشر مع الرعاية الأمريكية التي جعلت حضور الجزائر جزءا من المعادلة التفاوضية الجديدة.
وتكشف هذه الصيغة حجم المأزق الدبلوماسي الذي وجدت الجزائر نفسها داخله، فهي لا تستطيع أن تغيب عن مسار ترعاه واشنطن حول ملف تعتبره مركزيا في عقيدتها الإقليمية، لكنها لا تستطيع أيضا أن تعترف علنا بأنها طرف كامل في النزاع لذلك اختارت لغة وسطى تقوم على الترحيب بالمسار، والتأكيد على صفة “المراقب” والتشبث في الوقت نفسه بخيار تقرير المصير وقرارات الأمم المتحدة، بما فيها القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025.
والقرار الأممي الأخير نفسه لا يخدم المقاربة الجزائرية كما كانت تُطرح سابقا، فقد دفع مجلس الأمن تحت رعاية أمريكية، نحو مناقشات قائمة على مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أرضية مركزية للتسوية، كما جدد ولاية بعثة المينورسو إلى غاية أكتوبر 2026، ودعا الأطراف إلى الانخراط في نقاشات دون شروط مسبقة وبذلك بات النقاش الدولي يدور حول كيفية تحويل مقترح الحكم الذاتي إلى قاعدة تفاوضية قابلة للتطوير والضمان والتنفيذ.
ضمن هذا السياق، تبدو تصريحات عطاف محاولة لإعادة تأطير التحول لا لمواجهته، فقد حرص وزير الخارجية الجزائري على القول إن التطورات الأخيرة تؤكد “وجاهة” الموقف الجزائري الداعي إلى المفاوضات المباشرة بين المغرب والبوليساريو، غير أن الوقائع الدبلوماسية تكشف أن هذه المفاوضات لم تعد تجري وفق الإيقاع الذي كانت تريده الجزائر بل ضمن مسار تقوده واشنطن، وتتحرك فيه المبادرة المغربية للحكم الذاتي كمرجع مركزي بينما تتحول الجزائر من موقع المعرقل الخارجي إلى موقع الحاضر داخل غرفة التفاوض ولو تحت تسمية “المراقب”.
وهنا تحديدا تلتقي زاوية غياب السفير الأمريكي مع زاوية الصحراء، فواشنطن التي لا تبدو مستعجلة لتعيين سفير في الجزائر هي نفسها واشنطن التي تمسك بخيوط المسار التفاوضي حول الصحراء وتفرض إيقاعا جديدا على الأطراف أي أن قوة التأثير الأمريكي في الملف لا تمر بالضرورة عبر رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي في الجزائر بل عبر أدوات ضغط وتنسيق أوسع تشمل مجلس الأمن والمسارات المغلقة والتحرك المباشر لمبعوثي الإدارة الأمريكية، وإعادة صياغة قواعد النقاش حول الحل السياسي.
وبهذا المعنى، فإن رسالة شابيرو تقول ضمنيا إن العلاقة مع الجزائر مهمة لكنها ليست في حاجة عاجلة إلى سفير كي تظل واشنطن حاضرة ومؤثرة كما تقول إن الولايات المتحدة تستطيع أن تتعامل مع الجزائر كشريك أمني وإقليمي في ملفات الساحل والطاقة والاستقرار، وفي الوقت نفسه تضعها أمام واقع جديد في ملف الصحراء، حيث لم تعد النبرة العالية كافية لتعطيل مسار تفاوضي يحظى بدفع أمريكي مباشر.
ويؤشر كل ذلك إلى أن واشنطن لا تتعامل مع الجزائر بمنطق القطيعة، لكنها لا تمنحها أيضا هامش تعطيل مفتوحا فهي تحافظ معها على قنوات الأمن والتجارة والتواصل الإنساني كما قال شابيرو، لكنها في ملف الصحراء تدفع نحو هندسة سياسية جديدة تضيق مساحة المناورة أمام الخطاب الجزائري القديم وتفرض على الدبلوماسية الجزائرية أن تنتقل من لغة الرفض إلى لغة التكيّف.



